الـذيـب
06-26-2008, 03:38 AM
[SIفي الرابع من يناير عام 2006، تولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولاية الحكم في إمارة دبي، بعد رحيل أخيه الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم بتاريخ 4 يناير2006.
وقد انتخب أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات في الخامس من يناير 2006 الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائباً لرئيس الدولة، ووافقوا على اقتراح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، بتكليف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد رئاسة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة.
بفضل السياسة الحكيمة لحكام دبي ونظرتهم الثاقبة والتخطيط السليم، اصبحت دبي في مصاف الدول المتقدمة والمتطورة وذات مكانة عالمية ، ومن أجل حرية المواطن وازدهاره ، اقام سموهم مع دخول الالفية الجديدة بعض المشاريع العالمية والعملاقة التي جعلت اسم دبي يعانق السماء ، واصبح الزوار يؤمونها من جميع بلدان العالم .
لقد ارسى سموهم أسس تنمية حديثة تعزز من وحدة دبي، ووحدة الاتحاد . فسمو الشيخ محمد يستشرف مستقبلاً مشرقاً لأبناء دبي والإمارات بخاصة، وأبناء الشرق الأوسط بعامة.
ومن أجل رفعة مكانة دبي عالمياً، دشن سمو الشيخ محمد بن راشد قبل دخول الألفية الجديدة واستعداداً لها مدينة دبي للانترنت، وذلك في 29 من شهر أكتوبر 2000، كما أعلن بعد شهر اطلاق مدينة دبي للاعلام. وفي بداية الألفية الجديدة، وبالتحديد في 16 يناير 2001، دشن سموه مؤتمر التجارة الالكترونية، وقال سموه في هذا المؤتمر:
الشيخ محمد بن راشد خلال اطلاق مدينة دبي للإنترنت
"بالنسبة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة عقدنا العزم على مواكبة المتغيرات، ووضعنا في وقت مبكر الخطط الضرورية لتوفير متطلبات التفاعل الإيجابي مع الاقتصاد الجديد. وكان علينا أن نتحرك في عدة اتجاهات وفي وقت واحد، وفي اتجاه نشر الوعي بثقافة المعلومات، وفي اتجاه تطوير التعليم وإعادة النظر في برامجه ووسائله، وفي إطلاق مشاريع البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي الجديد، وفي إطلاق مبادرة الحكومة الإلكترونية، حيث ستكون الشبكة أداة رئيسة في إدارة الخدمات وإنجاز الأعمال على صعيد دوائر الحكومة وقطاع الأعمال. ندرك أن ما أنجزناه يعتبر ريادياً بكل المقاييس .. وندرك أيضاً اننا ما زلنا في بداية الطريق .. وأن الطريق طويل لكننا واثقون من سلامة الاتجاه".
الشيخ محمد والشيخ عبد الله بن زايد في افتتاح مدينة دبي للإعلام
ولمواكبة العالم، في جميع المجالات، افتتح سموالشيخ محمد بن راشد مدينة دبي للاعلام في 20 من الشهر نفسه. وتعتبر هذه المدينة الإعلامية خطوة جديدة للنهوض بالشعب وتأمين مصالحه، حيث قال سموه في كلمة الافتتاح :
"لقد قررنا أن نواكب العالم، وهذه المدينة الإعلامية خطوة جديدة للنهوض بشعبنا وتأمين مصالحنا. ستجد الشركات المحلية والعربية والدولية فرصاً حقيقية لإطلاق المشاريع الجديدة، وتطوير المشاريع القائمة، والبنية التحتية هنا تم اعدادها بعناية، لكي تسهل المشاركة في الاقتصاد الرقمي الجديد".
ولأن الدولة برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد وحكمته وضعت قضية البيئة في مقدمة اهتماماتها،
فإن الاهتمام بالبيئة سار جنباً إلى جنب مع مسيرة التنمية، وتأكيداً على هذا الاهتمام الكبير بالبيئة، قام سمو الشيخ محمد
الشيخ محمد بن راشد أثناء جائزة البيئة
بن راشد في 22 أبريل 2001 باطلاق جائزة زايد الدولية للبيئة . وقال سموه :
"لقد وضعت بلادنا قضية البيئة في مقدمة اهتماماتها، وبفضل حكمة صاحب السمو الشيخ زايد سار الاهتمام بالبيئة جنباً إلى جنب مع مسيرة التنمية، وأدركنا في وقت مبكر عالمية قضية البيئة، ولم ندع شعوب العالم ودوله للاهتمام بهذه القضية فحسب، وإنما حرصنا على المشاركة الفعّالة في الجهد الدولي لحماية البيئة".
وبعد عمل دؤوب ومواصلة الليل بالنهار ومتابعة مستمرة على مدى 18 شهراً من سمو الشيخ محمد بن راشد، افتتح سموه في 29 اكتوبر 2001 الحكومة الالكترونية، حيث قال سموه في كلمة الافتتاح :
"أنا صراحة سعيد جداً لما وصلنا إليه، ونحن وإياكم وصلنا إلى غايتنا التي اعلنا عنها قبل ثمانية عشر شهراً بالضبط في هذا المكان، فالآن علينا الاستمرار، والخطوة الثانية هي بنفس العمل الذي قمتم فيه، والذي وصلتم به الليل بالنهار والنهار بالليل، وأنا كنت أتابع البعض، وإذا بقيتم على هذه المسيرة وبهذه القوة إن شاء الله ستأخذون اكبر المراكز والوظائف".
ومن أجل تحويل الاقتصاد في الدولة إلى اقتصاد المعلومات، وتطوير المجتمع في المجال المعرفي، افتتح سموه في نوفمبر من العام نفسه ملتقى دبي الاستراتيجي، حيث قال سموه : "حتى
نعرف نحن اين وصلنا، يجب تحويل اقتصادنا إلى اقتصاد المعلومات، وتطوير مجتمعنا إلى مجتمع المعرفة. هذا يحتاج منا بذل جهد كبير، الطريق صعب وطويل ولكننا في بدايته، الفريق الناجح هو
الذي يجعل من1 +1= 11".
الشيخ محمد بن راشد أثناء افتتاح مركز دبي المالي
واستعدادا للمستقبل، فإن الامارات عموماً ودبي خصوصاً تعمل منذ سنوات على تسريع الحركة عن طريق التجارة الدولية العريض لمواكبة المتغيرات الدولية والتحولات الكبيرة في حقول الاقتصاد والتجارة. ، ومن أجل هذا الهدف وتماشياً معه، افتتح سمو الشيخ محمد بن راشد في 16 فبراير 2002، مركز دبي المالي العالمي. وقال سموه في كلمة الافتتاح:
"الانتظار لم يكن خيارنا أبداً، لا في الماضي ولا في الحاضر. دائماً نسعى ونعمل على استشراف الاتجاهات المستقبلية، ونستعد لها. ونحن في الإمارات فتحنا منذ عشرات السنين طريقاً عريضاً على التجارة الدولية، ومنذ سنوات نعمل في دبي والإمارات على تسريع الحركة على هذا الطريق العريض لنواكب المتغيرات الدولية والتحولات الكبيرة في حقول الاقتصاد والتجارة. وتعلمون ان من ابرز آليات التحرك على هذا الطريق هي أولاً تكنولوجيا المعلومات، وثانياً التدفقات المالية عبر الأسواق الدولية."
ولزيادة النجاح والانتاجية في العمل والاداء المتميز، اعلن سمو الشيخ محمد بن راشد في 17 ابريل 2002 عن برنامج الاداء الحكومي المتميز، وقال سموه :
"نعم الاداء الاداري الحكومي في عالمنا العربي مشكلة كبرى علينا أن نواجهها بكل شجاعة، إذا لم يتطور هذا الاداء في كل اشكال العمل وفي مستويات العمل سنظل نراوح مكاننا، والمراوحة في المكان هي أقصر طريق للتأخر والتخلف وايضاً الهزائم...من دون اهداف واضحة لن تكون الادارة ناجحة، بل ستكون في الواقع اهدارا للامكانيات واضاعة للوقت."
ومن اجل تعميق الحوار والتفاعل الإيجابي بين الثقافات العربية، افتتح سمو الشيخ محمد بن راشد في 28 من الشهر نفسه المنتدى الاعلامي العربي، وقال سموه اثناء الافتتاح:
الشيخ محمد بن راشد والشيخ أحمد بن سعيد
"إن أكثر ما يسيء إلى الحوار والتفاعل الإيجابي بين المختلفين هو إخضاع ثوابت الثقافات وقيمها العليا لحسابات الأهداف السياسية العاجلة، أو لحسابات المصالح العابرة، والواقع أن مثل هذا التعامل هو الذي يولد المعايير المزدوجة، ويخلف المرارة والشعور بالظلم، ويفتح أبواباً للعداء والبغضاء، ويعصف بكل ما هو إنساني مشترك ونبيل."
وحرصاً على مصلحة شباب الوطن ورفاهيتهم، ومن أجل الازدهار الاقتصادي في البلاد الذي لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الاعتماد على النفس ، ولأهمية الدور الكبير الملقى على عاتق الشباب من أجل مسيرة النهوض الاقتصادي ، اطلق ولي عهد دبي في 12 مايو "مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب" . وقال سموه:
"إن الازدهار الاقتصادي في البلاد لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الاعتماد على النفس وتحفيز القطاع الخاص. وهناك دور كبير ملقى على عاتق الشباب من أجل مواصلة مسيرة النهوض الاقتصادي باعتبارهم الطاقة الفاعلة والمنتجة، والنبض الحي للمجتمع.
إن الشباب مدعوون اليوم للتفاعل بقوة في الاقتصاد الوطني من خلال المشاركة بفاعلية في المؤسسة، وعليهم تقديم مشاريع الى المؤسسة التي ستوفر لهم الدعم اللازم."
هذا بخلاف بعض المشاريع الأخرى الناجحة التي قام سموه برعايتها والعمل على تنفيذها مثل مدينة الذهب ومرسى دبي وجزيرة النخلة التي تعد من اضخم المشاريع العالمية .
ولي عهد دبي خلال الاعلان عن مؤسسة محمد بن راشد لرعاية الشباب
وفي المجال السياسي وحينما جرّت هجمات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 على برجي التجارةالعالمية في نيويورك والبنتاغون، وأدخلت العالم في واحدة من أحلك الفترات في التاريخ الحديث، تحدث سمو الشيخ محمد في كلمة له في السابع والعشرين من شهر سبتمبر، حدد فيها موقفه، وعكس موقف الغالبية المعتدلة في العالم الإسلامي، فقال سموه: "فيما يتعلق بالحملة الحالية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، فإنه وبلا شك أن ما حدث كان جريمة شنيعة ارتكبت في حق الولايات المتحدة الأمريكية، نحن أدنّا هذه الجريمة ومرتكبيها، و نعرب عن تعاطفنا مع الإدارة الأمريكية لما نتج عن هذه الهجمات من ضحايا، ونعلن استعدادنا لمساندة الولايات المتحدة الأمريكية في جهودها لمحاربة الإرهاب ضمن إطار دولي.. والعالم كله مجمع على محاربة الإرهاب.
إن العالم العربي والإسلامي جزء من هذا العالم، ونحن كلنا رغبة في استئصال هذه الظاهرة البغيضة... لقد حذرت من ظاهرة قتل المدنيين الأبرياء خلال العمليات العسكرية، وأنا قلق على مصير مئات الآلاف أو حتى ملايين الأفغان، الذين سيفرون من ميدان القتال، ولقد ناشدت المجتمع الدولي بأن يكون حذراً في حدوث كارثة إنسانية.
إن الإسلام هو دين العدالة والتسامح والسلام العالمي. وفي الغرب و الولايات المتحدة الأمريكية هناك أناس يعرفون الإسلام جيداً ويدرسون الإسلام الذي يدعو إلى السلام والتعايش بين كل الأديان والطوائف."
وقد رافق سمو الشيخ محمد صاحب السمو الشيخ مكتوم إلى بيروت لحضور القمة العربية هناك،
حيث تحدث كلاهما عن خطة السلام التي بادرت المملكة العربية السعودية بطرحها، وتم شرحها فيما بعد عن طريق القنوات الدبلوماسية، حتى تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على إسرائيل لتتراجع عن خيارها العسكري وتنظر بعين العطف للآخرين.
وفي المجال الانساني، قدم سموالشيخ محمد بن راشد من خلال مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية، أدلة واضحة على قدرته على التعامل مع الكارثة الإنسانية، التي ألمت بأفغانستان.
وفي الثالث من أكتوبر بدأت المؤسسة بتمويل مشروع إقامة مخيم للاجئين الأفغان ، وقد أقيمت تلك المخيمات في أفغانستان على الحدود مع باكستان، إذ قدم سمو الشيخ محمد 5 ملايين دولار أمريكي من ماله الخاص وقد زاد في قيمة تبرعاته لاحقاً، كما تبرع أيضاً بمبلغ 5 ملايين دولار أمريكي لضحايا مركز التجارة العالمي. وفي السابع والعشرين من أكتوبر ذهب فريق جودولفين لـ "نيويورك" للمشاركة في كأس بريدرز كب، وقد عبر منظمو سباق بريدرز كب عن تعاطفهم مع عائلات رجال الاطفاء ورجال الشرطة وخدمات الطوارئ والضحايا الآخرين الذين فقدوا حياتهم نتيجة هذا الهجوم الإرهابي.
كما حدد المنظمون مبلغ مليون دولار يتبرعون به لضحايا هذا الهجوم الإرهابي، كما أعلن فريق جودولفين من جهته عن نيته في التبرع بجميع ما يجنيه في سباق بريدرزكب، الذي حققت فيه جودولفين نتائج جيدة، عادت عليها بمليوني ونصف مليون دولار تبرعت بها كلها لحملة الاغاثة.
هذا بدوره عزز الصداقة القائمة بين هاتين الثقافتين، وهذين المجتمعين، اللذين كانا قد وصلا نقطة التقاطع في علاقتهما، فقد ألمح الشيخ محمد إلى أن الضحايا، هم ضحايا سواء كانوا افغاناً أم أمريكيين، وكذلك فعلت كلماته العاطفية التي برهنت على أنه رجل يتقن فنون الحكم.
وشهد العام 2000 أزمة الهجوم الإسرائيلي المرعب على الأراضي الفلسطينية، وكما فعل قادة المنطقة، فقد شدد سموالشيخ محمد على العملية السلمية، وقدم ومازال يقدم العون والمساعدة للفلسطينيين.
حبي للخيل ليس بغريب عليَ، إنه جزء من دمي وكياني وتاريخي، وأصله الأول خرج من أرضي، والفروسية ليست مجرد ركوب خيل، بل هي أصالة ونبل، لقد نشأت وحب الخيل"(1)
محمد بن راشد آل مكتوم
لعبت الخيول دوراً مهمَاً في تاريخ العالم العربي، وكان العرب يستخدمونها في معظم تحركاتهم، وخاصة في الحروب، إذ أن لسرعتها ورشاقتها وقدرة تحملها، الدور الأكبر في تحديد مسار المعارك وحسم نتائجها، وعلى الرغم من أن الإبل تعتبر السمة الأهم لحياة البادية، إلا أن الخيل كانت دائماً رمزاً للكبرياء والنبل، ولقد تعلق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير دفاع دولة الإمارات، بحب الخيول وأولاها اهتماماً خاصاً منذ طفولته.
منذ نعومة إظفاره، تدرب سموه على ركوب الخيل ، حيث اهتم والده، المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بتدريبه واخوانه، وقد اظهر سمو الشيخ محمد مهارة متميزة وأبلى بلاءً حسناً مما بشر بمستقبل واعد. وعلى الرغم من اهتمام سموه برياضات كثيرة بالإضافة لرياضة ركوب الخيل وإبداعه فيها ، أبرزها رياضة التنس وكرة القدم ،إلا أن الفروسية لا تزال حبه الأول لأن هذه الرياضة جزء لا يتجزأ من تاريخه وكيانه.
في عام 1967 زار سمو الشيخ محمد مضامير سباقات الخيول، عندما حضر واخوه سمو الشيخ حمدان، وللمرة الأولى، سباق 2000 جينيز الذي أقيم في بريطانيا آنذاك، وفاز بلقبه المهر "رويال بالاس"، وبعد عشر سنوات من ذلك الحدث، حقق سمو الشيخ محمد أول فوز له كمالك للخيول في السباق الذي أقيم في بريتون، وفاز بلقبه مهر سموه "حتى" 1. وبدأ تركيز جهوده في سباقات الخيل ليحقق انتصاراً تلو انتصار. ولكنه لم يتوقف عند انتصاراته ، بل عزز من حبه، بتأسيس إسطبلات جودولفين عام 1994 والتي حالفها النجاح والتفوق منذ نشأتها بفضل خبرته ومعرفته بالخيول، وكان تأسيس سموه لإسطبلات جودولفين ضماناً لتحقيق أفكاره وأهدافه.
وأراد سموه أن يكون لدبي الدور الأكبر في رعاية الخيول، فقرر نقل خيوله إلى دبي لقضاء موسم الشتاء فيها، وقد كان هذا القرار في بادئ الأمر مستغرباً لدى الكثيرين من المختصين في مجال سباقات الخيول. لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن وراءه معرفة وخبرة عميقة مكنته فيما بعد من تدريب واختيار افضل الخيول.
تزامن نجاح جودولفين مع تطور دبي وبروزها على الساحة الدولية، فمنذ تأسيسها تطورت صناعة سباقات الخيول، ولقد شجع سمو الشيخ محمد ملاك الخيول في
مكتوم وحمدان ومحمد بن راشد يتابعون السباقات التجربية لجودولفين
العالم العربي على خوض سباقات عالمية، بعد أن اقتصرت مشاركتهم على السباقات المحلية، وأسس كأس دبي العالمي- السباق الأغلى في العالم- عام 1996، وأصبح هذا السباق يشهد مشاركات كبيرة لملاك الخيول من معظم دول العالم، وفاز في هذا السباق في عامه الأول المهر أمريكي الأصل "سيجار"، ويواصل سباق كأس دبي العالمي جذب اهتمام أصحاب الخيول في جميع أرجاء المعمورة.
وبفضل الإنجازات التي حققها سمو الشيخ محمد بن راشد في رياضة سباقات الخيول والاهتمام الكبير الذي أولاه سموه وما زال يوليه لهذه الرياضة، مُنح سموه جائزة اكليبس الخاصة في مجال الخيول عام 2001. ولا يخفى على أحد تألقه وشهرته في مجال سباقات الخيول التقليدية وسباقات القدرة.
إن سباقات القدرة تقابل سباقات الماراثون، من حيث التنظيم، ففيها عنصر الوقت مهم جداً، وعادة مسافتها 120 كم ، لذلك يتعين على الفارس أن يوطد علاقته بحصانه ويتفهمه ليتجاوب مع ظرفه وحالته بمنتهى السرعة والدقة، لأنه في حالة إخفاق الفارس في التعامل مع حصانه، لن يسمح له بمواصلة السباق، خاصة إذا تبين أن حالة الحصان الصحية سيئة، عند المعاينة الطبية، التي تخضع لها الخيول في أوقات محددة أثناء السباق.
دبي ميلينيوم يفوز بكأس دبي العالمي 2000
وقد أثبتت الخيول العربية جدارة واضحة في هذا النوع من السباقات لما تظهره من قدرة خارقة على التحمل، ويقود سمو الشيخ محمد بن راشد فريق الإمارات للقدرة، الذي يعتبر من ضمن افضل فرسان العالم، على الرغم من أن مشاركة الإمارات في السباقات العالمية للقدرة والتحمل تعتبر حديثة نسبياً. وفي عامي 1999 و2000، فاز نجلا سمو الشيخ محمد بن راشد، سموالشيخ راشد وسموالشيخ حمدان ببطولة العالم للقدرة على التوالي ، كما فاز ابنه الثالث ، الشيخ أحمد بلقب بطولة العالم للقدرة في العام 2002، ليصبح بذلك اصغر بطل سناً على مستوى العالم، وأول من يفوز بهذه البطولة من قارة آسيا. ومنذ عام 2003 انضم إلى ركب الفرسان سمو الشيخ ماجد والذي شارك في البطولة الأوروبية من ضمن فريق الإمارات.
و قد دأب أبناء سمو الشيخ محمد بن راشد على التذكير بأن الفضل في إنجازاهم يعود لوالدهم، كيف لا وهو الذي يرشدهم ويرسم
سمو الشيخ محمد بن راشد يفوز ببطولة الأهرام العربي للقدرة
لهم طريقهم، ويعلمهم كيف يحسنون التعامل مع الحصان ويحدد لهم متى يطلقون العنان للمهر في السباق، ومتى يكبحون جماحه، وقد قاد سموه فريق دولة الإمارات للفوز في البطولة الأوروبية التي أقيمت في إسبانيا عام 1999، وهو الذي استرد لقب البطولة للإمارات عام 2001 في السباق الذي جرى في إيطاليا، وقاد فريق الإمارات للفوز في البطولة الأوروبية التي أقيمت في ايرلندا عام2003. ومنذ أمد يعمل سمو الشيخ جاهداً لإدخال رياضة سباقات القدرة ضمن الرياضات الأولمبية.
سمو الشيخ محمد بن راشد يفوز ببطولة عمالقة الإمارات 2001
حقق سمو الشيخ محمد الانتصارات التالية في السباقات العالمية الرئيسية:
19/5/2000- بطولة الأهرام العربي للقدرة- مصر
18/1/2001- بطولة عمالقة الإمارات لسباقات القدرة- الإمارات
21/4/2001- بطولة الأهرام العربي للقدرة- مصر
30/7/2001- بطولة فيلاكاستن للقدرة- إسبانيا
1/6/2002- البطولة العالمية للقدرة- إيطاليا
17/8/2002- ماراثون القدرة الإسباني- إسبانيا
24/8/2002- البطولة النرويجية المفتوحة - النرويج
25/1/2003- بطولة دبي سيتي ماسترز للقدرة- الإمارات
12/2/2003- سباق سي .إي . أي - الإمارات
15/2/2003 - سباق التحدي على كأس صاحب السمو الشيخ رئيس الدولة-
الجولة الثانية- الإمارات
24/8/2003- بطولات نوذرن- إنجلترا
19/9/2003- البطولة الأوروبية المفتوحة للقدرة- ايرلندا
1- مجلة الرجل، 6/7/2000
المصادر
مجلة الرجل، يوليو 2000
ريسنج بوست، يوليو 2000
جلف نيوز، أغسطس 2000
يعدُ الشعر النبطي معلماً بارزاً من معالم حياة سكان شبه الجزيرة العربية، منذ القرن العاشر الميلادي على الأقل، وقد تناقلته الأجيال على مر السنين حتى وصل إلينا بشكله الحالي، لذلك فإن المؤرخين لا يعرفون إلا القليل عنه من خلال بعض القصائد النبطية التي تناولت بعض الأحداث التاريخية.
ولقد انتشر الشعر النبطي بعد انتشار الإسلام، وبدأت الأمم من غير العرب تتعلم العربية، وأدى ذلك إلى شيوع اللحن وبروز اللهجات العامية، وأطلق العرب على الشعر الذي لا يسير وفقاً لمعيارية اللغة الفصحى، شعراً نبطياً، وسموا اللهجة التي يكتب بها هذا النوع من الشعر "بنت الرمال". وقد عرف الشعر النبطي في الأقطار العربية وفي الجزيرة العربية بشكل خاص، حيث يحظى الآن بانتشار واسع في دول الخليج العربي.
ويبرز الشعر النبطي إبداع أبناء منطقة الخليج العربي وقدرتهم الطبيعية على الابتكار، ويجسد ارتباطهم بالأرض و تجذر أصولهم فيها، وتساهم عناصر عدة في ترسيخ هذا النوع من الشعر، الذي يعتبر كنزاً أدبياً ، نادراً ومتفرداً، لأبناء شبه الجزيرة العربية ، وأهم هذه العناصر تركيبته ومحتواه، وأهميته الأدبية، ووظيفته الاجتماعية والقيمة التاريخية التي يجسدها.
وقد بدأ سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نظم هذا النوع من الشعر منذ ان كان طالباً في المدرسة، ويذكر سموه أن والده المغفور له "بإذن الله" الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ، كانا مصدر إلهامه. كما تأثر سمو الشيخ محمد بن راشد، خاصة في فترة شبابه، بعدد من أبرز شعراء الشعر الفصيح من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري، حيث كان سموه، عندما يسافر مع والده، يحتفظ بدواوين هؤلاء الشعراء الكبار، ويداوم على القراءة طوال الرحلة، وقد ساهم هذا الاطلاع المبكر في تأصيل موهبته وإثراء المفردات عنده.
وتجدر الإشارة إلى إن سمو الشيخ محمد بن راشد عندما بدأ ينشر شعره في الصحف، تجنب نشرها مذيلة باسمه الحقيقي، بل استخدم اسماً مستعاراً ليضمن أن تقييم وتذوق القارئ لشعره حقيقي، وليحكم القارئ عليه بكل صدق و إخلاص، لا أن يصدر حكمه تبعاً لمعرفة مسبقة بأن الشاعر ينتمي للعائلة الحاكمة.
وقد بدأت الشاعرة الإماراتية " فتاة العرب" بإرسال ردودٍ على قصائده تعبر فيها عن إعجابها بشعره مما شجع سموه حينها على إعطاء المزيد منه.
وبعد أن تأكد من حصول قصائده على التقييم الموضوعي الحقيقي، وبدأ القارئ يقبل على قراءة أبياتها بشغف، اظهر سموه اسمه الحقيقي، وانتشر شعره في أرجاء العالم العربي، والآن يعد سموه من ابرز شعراء النبط.
وقد أتاح الشعر النبطي لسمو الشيخ محمد بن راشد الفرصة للتعبير ولإبراز الجوانب الإبداعية والوجدانية الطبيعية لشخصيته، إذ بعض هذه الجوانب لا يظهر صداها في معترك الحياة السياسية.
ويتناول شعر سمو الشيخ محمد موضوعات وأغراضاً متنوعة بدءا من المشاعر الرومانسية التي تنبعث من كلمات قصائده التي تخلد الحب المثالي الصادق. ولقد تجسد هذا المستوى من العواطف الرقيقة في أكثر من قصيدة، ويمكن أن نعتبر قصيدة "رمز الهوى" مثلاً ناصعاً لها. ويقترن السعي لدى سموه للوصول بعاطفة الحب إلى مستوى الكمال بعنصري الوفاء
والإخلاص كما يظهر جلياً في قصيدة "وعد".
وقد انعكس دوره السياسي في شعره المواكب للحدث والمتفاعل مع آلام الأمة، المستجيب لاستغاثتها‘ وقد تمثل ذلك في القصيدة التي كتبها سموه، بعد ساعات قليلة من استشهاد محمد الدرة، الطفل الفلسطيني الذي طالته يد الغدر الإسرائيلية بدم بارد عند مفترق نتساريم في مدينة غزة، في الثلاثين من سبتمبر العام 2000، وقد تم تصوير حالة الاغتيال هذه ونشرها في جميع الصحف العالمية.
والحكمة تعتبر من أهم أغراض شعره، ولابد للمتذوق لشعر سمو الشيخ محمد من أن تأخذه العبارات والأبيات التي تصور الحياة بكل تناقضاتها وتعبر عن الإنسان وعلاقته بالوجود، يقول سموه في قصيدة "طال الغياب":
ما أغلى النهار ان الليالي تضدّه لو كان ســـرمد ما أظنه بينطاق
يْزَيِّد غلا اللؤلؤ صعوبه مكدّه لو هو رخيص ما يعلق في الأعناق
وفي "قصيدة الأقصى لنا عايد" يؤكد على قيمة الحق المطلقة وعلى ضرورة الإيمان بشرعيته:
ايْفــوز من يصمــدا وعــن حَقَّه يْجاهــِد
والشعر لدى سموه موقف ينبع من التفاعل مع الحدث، وليس مجرد معاناة شخصية
بعيدة عن مشاعر الناس فهو يؤكد دائماً:" إن الموضوع الأقرب إلى قلبي هو الذي يكون
قريباً من قلب القارئ" ، فقد كتب سمو الشيخ محمد عدة قصائد في مقام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، نائب
رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مشيداً بقيادتهما الحكيمة لدولة الإمارات
العربية المتحدة.
وتبرز في شعر سمو الشيخ محمد بن راشد عناصر الزمان والمكان، فهو يستشعر خفقات الصحراء وتبدل مواسمها وطبائعها، وتظل الصحراء قريبة من قلبه. ولقد ذكر أن الصحراء علمته الصبر والتحمل، وتتبدى ملامح هذه الخصال وصورها الشعرية في الكثير من قصائده،
ويمكن اعتبار قصيدتي "عليهم صابر" و"ياما صبرت" مثالين على ذلك.
وكان البحر دائماً من أهم مصادر إلهامه وقد صوره في قصائده وحمله رموزاً عديدة.
لنتمعن في هذا البيت من قصيدة "شوف تأثيرك":
موجكم طامي وانا بلجه غريج في بحور موجها غزر العموق
وتنعكس تأثيرات الحياة البرية في شعر سموه بجلاء، وفي كثير من الأحيان يحتاج القارئ إلى دراية بأحوال هذه الحياة حتى يتسنى له إدراك جمال الصور والمعاني، فهو لا يكتفي باستخدام الرموز للتشبيه البليغ، بل يتعدى ذلك لوصف أحوالها ضمن صور مركبة تصور انفعالاتها وردات فعلها نحو ما يحدق بها من أخطار، انظر إلى وصفه وتشبيهه (بالغزال) في قصيدة "مسير العاشقين":
من أشكال الوضيحي ما خذنّا تخزّ وذيّروها القانصينا
ويستعير الحِر كرمز لجمال العيون غير العادي:
"وعينه مثل عين الحر لاكحل" من قصيدة عليهم صابرٍ
وكذلك كرمزٍ للقوة والشجاعة، كما في قصيدة بحر الرياض:
انت ياحر تعود الانقضاض صايده دايم اذا اومى دمى
وفي سعيه لنشر الاهتمام بالشعر النبطي، الذي هو جزء مهم من ثقافة وتراث هذه الأمة، شارك سموه في مطارحات شعرية مع عدد من الشعراء البارزين في منطقة الخليج العربي، من أهمهم الشاعر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، والشاعر الأمير السعودي خالد بن فيصل.
ومن المعروف أنه في مثل هذه المطارحات يرد الشعراء على بعضهم شعراً، كتابة أو شفاهه، ويكون معظم شعرهم من إبداع اللحظة. ويشير سمو الشيخ محمد بن راشد إلى ان هذا الفن الشعري يلاقي الكثير من الترحيب والتقدير من الجمهور،لأنه يثير روح المنافسة ويزكي الطاقة الإبداعية لدى الشعراء، ويضيف سموه بأن هذه المنافسات تشجع الشعراء على التواصل فيما بينهم، كما سعى سمو الشيخ محمد بن راشد إلى حث وتشجيع الآخرين على نظم الشعر النبطي وذلك من خلال اللغز الذي يطرحه سموه.
واللغز عبارة عن قصيدة تتناول أبياتها كثيراً من الأسئلة، ويختلف هذا النوع من الألغاز عن الألغاز في ثقافات دول العالم الأخرى والتي عادة ما تتألف ألغازها من سطر واحد، فالرد على اللغز الذي يطرحه سمو الشيخ محمد يجب أن يكون شعراً ويتبع نفس القافية والأسلوب، إضافة إلى تشابه الكلمات، وقد رصد سموه جائزة سخية لكل من يتمكن من الرد على هذا اللغز، وقد تجاوب الكثيرون مع الفكرة وتم تلقي الكثير من الردود على ألغاز سموه من جميع أرجاء الوطن العربي، ولقد بلغ عدد الردود على اللغز الخامس نحو 12000 رد لشعراء من جميع أقطار العالم العربي.
لقد نظم سمو الشيخ محمد بن راشد الكثير من روائع القصائد النبطية، ولا يزال يكتب كلما يسنح وقت سموه، وسنبقى ننظر إليه ليس كقائد ذي رؤية ثاقبة وفارس ذي إنجازات عظيمة فحسب، وإنما أيضا كعميد للثقافة والتراث.
المراجع
الصورة الشعرية – الدكتور وليد محمود خالص
مجلة الرجل –6/7/2000
صحيفة الخليج 10/12/2002
أصدر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي في الرابع من يناير من عام 1995قرارين تاريخيين، يعدان بالكثير في المستقبل، أولهما تعيين سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد لإمارة دبي، وثانيهما تعيين سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائباً لحاكم إمارة دبي.
وعلق سمو الشيخ محمد في هذه المناسبة، قائلاً: "لا أعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً ام لا، لكن ما أعرفه إنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل، تمتد قدماً 20 أو 30 عاماً. لقد اكتسبت هذه الرؤية من والدي، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يعتبر بحق في مقام الوالد لدبي. لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصياً، كان يعرف عنه أنه كان يستيقظ باكراً، قاصداً مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصياً، وانا أسير على خطاه، أبقى على اطلاع على كل شيء، أذهب للمواقع وأراقب، اقرأ الوجوه، أتخذ القرارات المناسبة، انطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين".
صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد
فقد أراد صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد، من وراء تعيين سمو الشيخ محمد بن راشد ولي عهد لدبي، ان يوظف "الحماس والعزيمة" اللذين يملكهما سمو الشيخ محمد لما فيه خدمة ومصلحة الإمارة، ليتابع كل من صاحب السمو الشيخ مكتوم وسمو الشيخ حمدان وسمو الشيخ محمد المسيرة التي ابتدأها والدهم؛ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، معتمدين في مسيرة التطوير والتقدم على النهج والأسس التي وضعها والدهم للنهوض بدبي، وتحويلها إلى مدينة حديثة بكل ما في الكلمة من معنى.
وجاء سمو الشيخ محمد ليعلن دبي "محط أنظار العالم"، و ليوجد لها مكانا على خارطة السياحة العالمية، الأمر الذي حظي بدعم كبير من سموه. وفي أواخر عام 1995، أعلن سموه عن ولادة مهرجان دبي للتسوق، الذي كان واحداً من أولى مبادراته الكثيرة التي رسخت دوره القيادي كولي عهد، آخذا على كاهله عملية التطوير والتحديث. وكان الهدف من وراء هذا المهرجان السنوي، توظيفه وسيلة للترويج للاقتصاد الإماراتي على المستوى العالمي. إذ بلغت قيمة المبيعات ما يقارب المليار دولار في دورته الأولى. وأراد سمو الشيخ محمد ان يغني المهرجان بأحداث ونشاطات مثيرة، تستحوذ على ألباب المتابعين، فجاء الحدث الأبرز، وهو الإعلان عن كأس دبي العالمية لسباقات الخيول، الرياضة المفضلة لدى سموه، ليتزامن حفل افتتاح هذه الكأس مع بداية مهرجان دبي للتسويق. ويذكر أن هذه الكأس تعدّ الأغلى في العالم، إذ بلغت قيمة جائزتها الكبرى مليونين وأربعمائة ألف دولار، في حين بلغ مجموع الجوائز أربعة ملايين دولار أمريكي.
برج العرب
تتسارع الخطى، وتتضافر الجهود لتطوير دبي وتحديثها، لتصبح محط أنظار السائحين في العالم. فطالت التوسعة والتحديث مطار دبي الدولي، ليفتتح في الأول من ابريل عام 1998، مبنى الشيخ راشد، الذي يعتبر المرحلة الأولى من خطة وضعتها دبي لتوسعة مطارها الدولي، راصدة مبلغ 540 مليون دولار أمريكي لإتمام هذه الخطة. وفي بقعة أخرى من دبي، برز فندق برج العرب، الذي انشئ على جزيرة اصطناعية تبعد مئة متر عن شاطيء البحر، شامخاً بعلو ينقص ستين متراً فقط عن مبنى Empire State Tower في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، لينافس بعلوه الشاهق أعلى الأبنية في العالم. ويعتبر هذا الفندق من أجرأ المشاريع التي بادر بتبنيها سمو الشيخ محمد.
وفي كلمة له في اوائل عام 2001، أعلن سمو الشيخ محمد عن مشروع النخلة، احدث وأضخم المشاريع السياحية قاطبة، وهو مشروع منتجع يتألف من جزيرتين اصطناعيتين تأخذان شكل نخلة، وتتفرع من كل نخلة 17 سعفة، بالإضافة إلى الجذع، وتحاط كلتا الجزيرتين بكاسر أمواج يأخذ شكلاً هلالياً.
وفي الوقت نفسه، كان سمو الشيخ يتابع باهتمام بالغ عملية تطوير شركة طيران الإمارات. ففي شهر مايو من عام 2001، أكد سمو الشيخ احمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس طيران الإمارات، أن الشركة تخطط، بناء على توجيهات سمو الشيخ محمد، لشراء طائرات من الطراز الكبير، ربما يصل عددها إلى ستين طائرة، بقيمة عشرة مليارات دولار أمريكي. وكانت طيران الإمارات قد وقعت مسبقاً عقداً مع شركة "ايرباس" لتزويدها بسبع طائرات من طراز A 380، وبهذا تكون "طيران الإمارات" أول خطوط طيران في العالم تقوم بتوقيع عقد لشراء هذه الطائرة الضخمة التي أثير حولها جدل كبير، والتي تستوعب 555 راكباً، سوف تبدأ هذه الطائرة أولى رحلاتها العام 2006.
سمو الشيخ محمد بن راشد خلال افتتاح الحكومة الإلكترونية
ربما كان مشروع تحويل دبي إلى حكومة إلكترونية من أعظم المشاريع وأكثرها جرأة، إذ في العام 1995، ظلت هذه الرؤية محصورة ضمن الطبقة الحاكمة من عائلة آل مكتوم، والمقربين جداً من سمو الشيخ محمد بن راشد.
يقول سمو الشيخ محمد:
"لقد قمنا في دبي، كمرحلة أولى، بوضع الخطط التي من شأنها ضمان مستلزمات تحقيق التفاعل الإيجابي مع الاقتصاد الجديد، و كانت أهدافنا لا تنحصر في مجال محدد، بل عملنا على التطوير في شتى المجالات، وفي وقت واحد، فهدفنا رفع مستوى الإدراك بأهمية ثقافة المعلومات الجديدة، وتحسين مستوى التعليم، وإعادة النظر في المناهج والوسائل التعليمية، وإطلاق مشاريع تشكل البنية التحتية للاقتصاد الرقمي الجديد، وإطلاق مشروع حكومة دبي الإلكترونية".
سمو الشيخ محمد بن راشد أثناء إطلاق مدينة دبي للإنترنت
وفي التاسع والعشرين من شهر اكتوبر من عام 1999م، عقد سمو الشيخ محمد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه ما يلي: " سوف نفتتح بعد سنة من اليوم، وفوق هذا الموقع، صرحاً جديداً على مستوى دبي والمستوى العالمي، ألا وهو مدينة دبي للإنترنت". وشرع سموه في شرح تصوره لهذه المدينة والغرض منها، مؤكداً ان هذه المدينة سوف توفر البنية التحتية اللازمة والمناخ والمكان الملائمين لتمكين مشاريع الاقتصاد الجديد من إدارة عملياتها من دبي، وذلك بتقديم خدمات فعالة ومنافسة.
لقد حدد سمو الشيخ محمد 365 يوماً موعداً لافتتاح مدينة الإنترنت، وكان هذا في حد ذاته تحدياً كبيراً وخطوة جريئة بكل المقاييس، هادفاً من ورائه لإبراز دولة الإمارات كواحدة من الدول التي تتسم بتسارع تنامي صناعتها. ومع حلول سبتمبر من عام 2000، حصل أكثر من مئة شركة تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات على ترخيص، لتتخذ من مدينة دبي للإنترنت مركزاً لإدارة عملياتها، وكان من ضمن هذه الشركات، شركات عملاقة، مثل مايكروسوفت، اوراكل، كومباك. وكان هناك حوالي 350 شركة أخرى تنتظر الحصول على الموافقة. وقدر مجموع الاستثمارات للشركات المرخص لها بحوالي 700 مليون دولار أمريكي.
كان سمو الشيخ محمد على يقين تام بأن التطوير يجب أن يتخطى قطاع الأعمال، ليشمل قطاعات أخرى، وذلك إذا أرادت دبي مواكبة التطور الحادث في العالم، فجاءت مبادرة سمو الشيخ محمد في الحادي عشر من مايو 1999، في كلمة ألقاها في جائزة دبي للجودة، و بحضور حشد غفير من كبار المسؤولين، قال فيها: "بعد ثمانية عشر شهراً من الليلة، سوف تتحول حكومة دبي بشكل كامل إلى حكومة إلكترونية، الأمر الذي ستنتج عنه زيادة الفاعلية، وتسريع وتسهيل الإجراءات الحكومية. فأنا أريد أن أرى تقديم طلبات الفيزا، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى المرافقة، تجرى من خلال شبكة الإنترنت، كما أريد أن أرى تواصل الدوائر الحكومية فيما بينها الكترونياً".
يذكر أن المبادرة أنجزت في الوقت المحدد لها مسبقاً، فكانت أول حكومة إلكترونية كاملة في العالم.
في السابع من أكتوبر من عام 1990، كان لسمو الشيخ محمد واخوته طريقتهم الخاصة في تقريظ أبيهم، إذ وقفوا وقفة اجلال أمام إنجازاته العظيمة، التي جعلت منه أحد القادة العظام الذين ظهروا في الشرق الأوسط على الرغم من مجابهته في حياته لانشغالات كثيرة.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد
وبعد توديع المغفور له الشيخ راشد الوداع الأخير، مسحت دبي من على مقلتيها دموع الحزن، لتشمر عن سواعد البناء والتطوير من جديد، إلا أنها وجدت نفسها معنية بالاجتياح العراقي للكويت، لتتعامل معه بما يمليه المنطق وكذلك المعاهدات، وترسل ولأول مرة ثلة من أبنائها للمشاركة في معركة تحرير الكويت. ولم يتوقف اسهام دبي على ساحة الوغى فقط، بل إنه، وبعد إعلان نهاية الحرب، أمر سمو الشيخ محمد بارسال 250 طناً من المساعدات إلى الكويت، وبالتوازي أرسل جيش الإمارات فريقاً طبياً لتقديم الخدمات الصحية هناك.
وحول هذه الأزمة، ألقى سمو الشيخ محمد في الرابع من مارس من عام 1991 خطاباً، تعرض فيه لدوافع اشتراك دولة الإمارات العربية المتحدة، في أول معركة في تاريخها، وقال: "لقد كانت قواتنا المسلحة في مقدمة قوات التحالف التي حررت الكويت، ونحن نشعر بالفخر والاعتزاز جراء الشجاعة التي أظهرها أبناؤنا والتزامهم بالقضية العادلة. نحن لم نكن ننتظر من رجالنا إظهار كل هذا القدر من الاحترافية، وقد تلقيت اطراءات وزراء دفاع من عدة دول تثمن الدور الذي لعبته قواتنا المسلحة الإماراتية في هذه المعركة.
إن الإمارات ستقف دوماً في صف السلام، وستبقى داعمة لكل أصدقائها، وستظل فاتحة ذراعيها لكل الناس، ليعيشوا في كنفها، بثقافاتهم وأديانهم المختلفة، في سلام. وسنكون أنموذجاً في التسامح، الذي نرغب في توصيله لكل العالم".
وأثناء العدوان الصربي على البوسنة، الذي استمر طوال فترة بداية التسعينيات، شدّد سمو الشيخ محمد بن راشد على إرسال قوات دولية إلى البوسنة، وعبّر بوضوح عن استعداد الإمارات للمشاركة في هذه العمليات. وعندما باشرت القوات الدولية مهامها في البوسنة والهرسك، بقيادة حلف الناتو، لم تشارك الإمارات بشكل مباشر في هذه القوات.
وبناءً على أوامر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، أمر سمو الشيخ محمد، وزير الدفاع بإقامة جسر جوي، لنقل الجرحى المسلمين البوسنيين إلى أبوظبي ودبي لتلقي العلاج. كما تم - بناءً على هذه الأوامر والتوجيهات- تقديم الدعم المادي لعائلاتهم، وتوفير أماكن سكن لهم. وكباقي القادة الإماراتيين، تبرع سمو الشيخ محمد من أمواله الخاصة لمساعدة أهل المنطقة أثناء فترة الصراع، ولإعادة بناء البوسنة عندما عمت حالة الاستقرار والسلام فيها. وبعد مشاهدته للمأساة التي حلت بالبوسنة نتيجة العدوان الصربي عليها، لعب سمو الشيخ محمد دوراً مهماً في التخفيف من المأساة الأفريقية التي حلت بالصومال خلال فترة أوائل التسعينيات، والمتمثلة في المجاعات الناتجة عن الصراعات الداخلية.
وبجهود دولية مشتركة تمثلت في حملة اطلق عليها II UNOSOM تم تقديم المساعدة وإعادة الأمل للشعب-
سمو الشيخ محمد بن راشد يزور أحد المصابين في كوسوفو
الصومالي. وكانت حكومة دولة الإمارات من بين الـدول ذات المبـادرة الأولى، للالتزام بهذه العمـلية وبحلول شهر مارس من عام 1993، تم التغلب على هذه المجاعة وتحسنت بالتالي الظروف الأمنية في الصومال. كما وتم بعد ذلك في عام 1999 تحت قيادة سمو الشيخ محمد، نشر قوات إماراتية في كوسوفو، في محاولة لوضع حد للمذابح التي يقترفها الصرب هناك. كما أمر سموه القوات الإماراتية بإنشاء 1000 وحدة سكنية، لإيواء المشردين من أهالي كوسوفو. كما تم إنشاء مستشفى ميداني في المدينة ، يشتمل على 60 سريراً ويمكنه التعامل مع 350 حالة مرضية يومياً من بلدة فوسيتم، التي تتمركز فيها القوات الإماراتية.
في السادس عشر من يناير 1968، أعلنت الحكومة البريطانية عزمها سحب قواتها من منطقة الخليج، منهية بذلك التزاماتها الأمنية في المنطقة. وبهذا الانسحاب تعين على القائمين على إمارة دبي ضمان مستقبل آمن ومستقر للإمارة، ليلعب سمو الشيخ محمد دوراً بارزاً في ذلك.
وفي الثامن عشر من فبراير من العام 1968، تم عقد لقاء بين صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي وأخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي، في مكان ما بالصحراء للاتفاق على إقامة اتحاد بين الإمارتين. وحول هذا الاجتماع، كان لسمو الشيخ محمد بن راشد، الذي عاد لتوه آنذاك من بريطانيا ليرافق والده إلى الاجتماع، تصريح، قال فيه :"إن الاجتماع بـدأ بكلمات بسيطة أذكر منها "إذاً، يا راشد، ما رأيك؟ هل سنقيم الاتحاد؟" سأل صاحب السمو الشيخ زايد، ومن دون تردد رد الشيخ راشد شارعاً يده" أعطني يدك، زايد، لنعقد اتفاقاً وسوف تكون الرئيس".
سمو الشيخ محمد بن راشد اثناء تخرجه من كلية مونز
وكان هذا الاتفاق نواة لإقامة اتحاد أوسع، ليستمر لسنوات عدة ويشمل سمو الشيخ محمد و والده و اخوته. وحتى يتمكن سموه من القيام بدوره المستقبلي في الحكومة، كان لابد له من الإلمام بأمور عسكرية، وعليه التحق بكلية مونز العسكرية في منطقة الديرشوت، التي تبعد قرابة أربعين ميلاً عن العاصمة لندن في الجزء الجنوبي من المملكة المتحدة. وفي الشهور الموالية كان لا بد ان يتعرض سموه لأقسى أنواع التدريب، الذي تفرضه العسكرية البريطانية على الضباط. وفي المراحل المتأخرة من الدورة، التي دامت ستة شهور، تمت ترقية سمو الشيخ محمد إلى وكيل لسرية كوهيما، ليتم بعد ذلك منحه سيف الشرف لتفوقه على زملائه الضباط من الدول الغربية ودول الكومنولث.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد وسمو الشيخ محمد بن راشد
وفي الأول من نوفمبر 1968، قام الشيخ راشد بتعيين الشيخ محمد رئيساً للشرطة والأمن العام، وهو أول منصب يتقلده سموه. وفي الثاني من ديسمبر 1971، عقد حكام إمارات كل من أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وولي عهد أم القيوين ممثلاً لوالده، اجتماعاً في قصر شاطئ الجميرا في دبي، حيث قاموا بتوقيع أول دستور مؤقت لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الأيام الموالية ليوم التوقيع، قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، رئيس الوزراء المعيّن بتعيين أخيه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً للدفاع، ليصبح سموه آنذاك أصغر وزراء الدفاع في العالم سناً. كما قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بمنح سمو الشيخ محمد رتبة لواء.
وفي أقل من عام، بدأ دور سموه يحتم عليه التعامل مع قضايا شاملة، مثل الحرب العربية الإسرائيلية، ومحاولة الانقلاب العسكري في احدى دول الجوار، واختطاف طائرة وهي جاثمة في مطار دبي الدولي. في هذه الأثناء كان سموه يحاول إقامة قوة دفاع وطنية موحدة، وكانت أول مهمة عسكرية لقوة الدفاع الوطنية في عام 1976، حيث أرسل سمو الشيخ محمد قوات إلى لبنان للمشاركة في قوة الردع العربية، من أجل المحافظة على الأمن والسلام في تلك الدولة الشقيقة.
وقد اعتمد الشيخ راشد كثيراً على أبنائه في عملية تحويل دبي إلى مركز تجارة، إذ أنيطت بسمو الشيخ محمد مسؤوليات جمة، منها توليه الإشراف على مشاريع كبيرة، أهمها مشروع حوض دبي الجاف؛ اكبر مشروع في الشرق الأوسط. وفي 25 أغسطس 1977، شكل الشيخ راشد لجنة لإدارة مطار دبي الدولي، وعيّن سمو الشيخ محمد مسؤولاً عنها، فأصبح بذلك تطوير دبي كمركز سياحي وملاحي اكبر الإنجازات الملموسة التي تكفل بتحقيقها سمو الشيخ محمد، إذ تبنى سياسة الفضاء المفتوح، وأخذ يعمل لوضع أسس الصناعة السياحية التي انبثقت في عام 1990.
خلال هذه الفترة، أوكلت إلى سمو الشيخ محمد مسؤولية "بترول دبي"، وتعد هذه المهمة إحدى أكثر المهام حيوية وأهمية في حكومة دبي، إذ إنها الرافد الأساسي لاقتصاد الإمارة. واستمد مجلس سمو الشيخ محمد بن راشد طاقته وحيويته من مجلس والده الشيخ راشد، الذي وصف بأنه دائرة الفرسان العربية المستديرة (شبيه بمجلس الملك آرثر الذي كان تلتف حوله نخبة من الفرسان). ويقول رجل الأعمال، محمد النابودة: " إن الجو الذي يسود مجلس سمو الشيخ محمد يشجع على الإبداع ويتيح لكل إبداء رأيه، فسموه لا يحول بين الناس وبين أفكارهم. إن مثل هذا المناخ الذي يتسم بالانفتاح يحفز على الابتكار، وفي مجلسه، يحث سمو الشيخ محمد مجالسيه على إبداء آرائهم، ويستفز أذهانهم عبر الاستمطار الذهني للخروج بأفكار خلاّقة. إن المجلس يخرج أفضل القرارات وأفضل العقول ويصقل قدرات الجميع".
الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد
ومع حلول شهر مايو من عام 1981، أصيب الشيخ راشد بمرض أقعده عن تحمل مسؤولياته، فثقل عاتق سمو الشيخ محمد كباقي اشقائه بعبء مسؤوليات جديدة في انتظار شفاء والدهم. وما يسجل كذلك في هذه الفترة العصيبة في حياة آل مكتوم، هو تعاضد أفرادها بعضهم مع بعض، بفضل نضجهم وتبلور شخصياتهم، وذلك هو العزاء الأكبر الذي خفف من آلام الوهن لدى الشيخ راشد، الذي لم يأل جهداً خلال العقود الماضية في بذل الغالي والنفيس من أجل تنشئة أنجاله رجالاً يعتد بهم، أقوياء عند الشدائد، مبدعين لحظة الأزمات.
يقول أحد المقربين: "إن صاحب السمو الشيخ مكتوم، وسمو الشيخ حمدان، وسمو الشيخ محمد كانوا وقتها على اتصال تشاوري دائم ومستمر، فلا يستجد أمر إلا ويهم الثلاثة للتعاطي معه. لقد كانوا يتبادلون المعلومات ويتشاورون حول كل صغيرة وكبيرة، لينبثق في النهاية رأي أو قرار واحد ليس ملك أحدهم بمفرده، بل هو قرار الثلاثة جميعاً".
هذا التشارك في إدراك الأمور، والتعامل معها، وبالتالي الوحدة في اتخاذ القرار، لم يخص رؤيتهم للأحداث المحلية فحسب، بل انسحب على تعاملهم مع العالم الخارجي في فترات سلمه وأزماته. وذلك ما كان أثناء اجتياح لبنان، والحرب العراقية الإيرانية واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من سبتمبر 1987، إذ قام سموه بدعم حكومة دبي في مسيرتها نحو دعم الإخوة في تلك المناطق.
ولم يكتف سموه بهذا، بل ذهب بنفسه إلى شمالي لبنان على متن طائرة لالقاء المساعدات وجلب جرحى العدوان إلى الإمارات لتلقي العلاج. ومن عملية اجتياح لبنان إلى الانتفاضة الفلسطينية المباركة، التي اندلعت في التاسع من ديسمبر من عام 1987، مروراً بالحرب العراقية الايرانية، تفرد سمو الشيخ محمد باندفاعه الذي لا يكل في تقديم المساعدات باسم حكومة دبي، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وقد علق المحلل المالي، كلينتون جونز، قائلاً: لم يركن أبناء الشيخ راشد خلال الأزمة العاتية في انتظار انفراجها، بل سعوا بكل ما جادت به قرائحهم لتجنب الغرق جراء تلاطم أمواج الأزمات التي ضربت المنطقة، إذ ركزوا جل اهتمامهم وانشغالهم في كيفية ضمان استقرار دبي، فاهتدوا إلى مضاعفة استثماراتهم في أوروبا وأمريكا الشمالية، كما قاموا كذلك، بهدف رفد اقتصاد دبي، بصرف المزيد من الأموال لإنشاء مزيد من مشاريع البنية التحتية، الشيء الذي أدى إلى تثبيت ثقة دبي في نفسها وفي مستقبلها، والذي أسهم بدوره في تحاشي إصابة اقتصاد دبي بالعلل التي كانت تحاصر المنطقة، فانطلقت المؤسسات فيها تستشرف المستقبل، لتصل دبي إلى ما هي عليه اليوم".
ومن انجازاته الرائعة مبادرته بإنشاء شركة طيران جديدة خاصة بدبي. وفي تفاصيل الحدث نقرأ أن سموه استدعى في غرة يناير من عام 1985 موريس فلانجان، المدير العام لسلطة سياحة دبي الوطنية، لقصره في زعبيل، وقال له: "أريد أن أنشئ شركة طيران، كم يتكلف ذلك؟ وكم تستغرق عملية الإنشاء؟". ولأن فلانجان كان يدرك مسبقاً أن سمو الشيخ محمد ليس من شاكلة الرجال الذين يمهلون في تلقى الإجابة، فإنه رد سريعاً" "عشر ملايين دولار أمريكي".".
الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد
ولتحويل الفكرة إلى واقع، باشر سموه في تشكيل فريق عمل يناط به أمر تطوير الفكرة، محيطاً ذلك بسرية تامة، لتلوح في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام نفسه أولى طائرات "طيران الإمارات" تحلق في سماء المنطقة لأول مرة، مجسدة طموح سموه لواقع ملموس. وفي العام نفسه أرسى سمو الشيخ محمد مركزاً صناعياً مهماً في ميناء جبل علي، ليكون ذلك دليلاً آخر على ما قاله موريس فلانجان آنفاً.
وحول ذلك، قال سلطان بن سليم، مدير منطقة جبل علي الحرة (JAFZA):"إن أهم النقاط التي ركز عليها سمو الشيخ محمد أثناء متابعته لانشاط منطقة جبل علي الحرة، العمل على جعل الإجراءات بسيطة وسلسة، كما أن سموه شدد على جعل بنية "JAFZA" التحتية تخضع للمواصفات العالمية، حتى تتمكن من تقديم أفضل الخدمات".
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، هو الابن الثالث بين أربعة أبناء للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهم: الشيخ مكتوم والشيخ حمدان والشيخ أحمد.
وقد ترعرع صاحب السمو الشيخ محمد الذي ولد عام 1949 في كنف عائلة آل مكتوم، بمنزلها الكائن حينذاك في الشندغة، حيث أمضى طفولة سعيدة ومرحة هناك. وقد شغف به والداه وجده الشيخ سعيد آل مكتوم، حاكم دبي وقتها، وأحاطوه بكل عطف ورعاية. كما وجد صاحب السمو الشيخ محمد في اخوته وأولاد عمه رفاق طفولة له، إضافة إلى أولاد عائلات التجار الكبار وغيرهم من القبائل. وقد كان منذ نعومة أظافره رياضياً مفعماً بالحيوية والنشاط، مولعاً بممارسة الألعاب المختلفة مع الأولاد الآخرين، مثل لعبة الهول، المعروفة بـ" المطاردة والحجلة".
بيت الشيخ سعيد
وقد أشاد أحد أصدقاء عائلة آل مكتوم، وهو حمد بن سوقات، بصاحب السمو الشيخ محمد شاباً مفعماً بالحيوية، بقوله: "إنه كان دائم الحركة، يمارس الألعاب ولديه روح الاستكشاف، وكان لديه أيضاً الفضول، إذ كان يحب أن يعرف ما يجري حوله". وعندما كان الشيخ سعيد يعقد مجلسه على المقاعد الخشبية عند مدخل منزلهم في الشندغة، كان يصحب حفيده صاحب السمو الشيخ محمد ويجلسه إلى جانبه، وعلى الرغم من أنها لم تكن جلسات رسمية، إلا أنها كانت بمثابة بيئة تعليمية جيدة.
ومنذ نشأته الأولى أخذ سموه يتدرب على الصيد، خصوصاً تلك الرياضة العربية المميزة؛ رياضة الصيد بالصقور التي وجد فيها سموه ما يعيده إلى جذوره العربية الأصيلة، منئيا بنفسه عن معطيات المدنية الحديثة وكل ما يمت لها بصلة، ليدنو من تلك الرياضات العربية الأصيلة التي أحبها.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد
وبالإضافة إلى هواية الصيد، قام والدهم الشيخ راشد منذ اللحظة التي أصبح أولاده فيها قادرين على الوقوف على أقدامهم بتعليمهم رياضة ركوب الخيل، وهذا ما جرى على الشيخ محمد، إذ منذ صغره وضع مباشرة على سرج الحصان، وأصبح هو وأصدقاؤه المقربون يتمرنون على ذلك كل يوم.
لم يدخر الشيخ راشد جهداً في إعداد أولاده للقيادة، مولياً مسألة تعليمهم اهتماماً خاصاً، إذ بمجرد أن بلغ صاحب السموالشيخ محمد الرابعة من عمره، حتى كان والده يهيئ له من يشرف على تلقينه مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي، ليضيف له، ببلوغه السادسة من عمره، مادتي الإنجليزية والرياضيات.
مدرسة الأحمدية
وبحلول العام 1955، كان صاحب السموالشيخ محمد قد بلغ السابعة، فألحقه أبوه بالمدرسة الأحمدية؛ وهي مدرسة ابتدائية صغيرة كانت موجودة بمنطقة ديرة، بهدف تلقيه التعليم الأساسي. فبدأ صاحب السمو الشيخ محمد يتفقه قواعد اللغتين العربية والإنجليزية وينهل من معين الجغرافيا والتاريخ والرياضيات، إذ ظهرت بوادر تفوقه على نظرائه جلية، وذلك بسبب تعليمه المبكر. وببلوغه العاشرة من عمره، انتقل صاحب السمو الشيخ محمد لمدرسة الشعب، ليلتحق سموه بعد سنتين من ذلك بمدرسة دبي الثانوية.
وفي التاسع من سبتمبر من عام 1958 توفي الشيخ سعيد؛ جد صاحب السمو الشيخ محمد، ليصبح الشيخ راشد حاكماً عاماً لإمارة دبي، الأمر الذي أوحى للشيخ راشد بضرورة ايلاء أبنائه اهتماماً خاصاً في تنشئتهم فمنذ بداية أكتوبر من العام نفسه، كثف الشيخ راشد من رعايته لهم ليشبوا صالحين مهيئين لتحمل المسؤوليات التي ستناط بهم في تسيير أمور حكومة دبي المستقبلية. ولأن الشيخ راشد تولى مهام تسيير أمور الحكم في دبي فعلياً، قبل استلامه رسمياً، فإنه كان في الخمسينيات مداوماً على الاجتماع في مجالسه بأصحاب الرأي والمشورة وأعيان البلد، من مفكرين وتجار وأصحاب بنوك ومقاولين. وكان يلاحظ في هذه المجالس ملازمة صاحب السمو الشيخ محمد لأبيه الدائمة، مما أسهم في تفتق ملكاته، وامتلاكه للتفكير المنطقي.
في الوقت نفسه، استطاع صاحب السمو الشيخ محمد اكمال دراسته الثانوية بتفوق ملحوظ، إذ اجتاز الامتحان المقرر في منهاج المدرسة خلال العام الدراسي 64/1965، ليزداد ايمان والده الشيخ راشد بأن مسيرة التطوير والتقدم في دبي مرهونة بشخص على شاكلة صاحب السمو الشيخ محمد، إذ كان يراه الأفضل والأكثر تمكناً في إدارة أمور الأمن في الإمارة الفتية.
وعليه، اختار الشيخ راشد لابنه الثالث، صاحب السمو الشيخ محمد المجال العسكري لاكمال دراسته، ولأن هذا الاختصاص كان يتطلب معرفة تامة وغير منقوصة باللغة الانجليزية، فإن صاحب السمو الشيخ محمد، يرافقه ابن عمه الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم، سافر في أغسطس العام 1966 إلى لندن، بغرض الالتحاق بمدرسة "بل" للغات في كامبريدج، التي كانت تعد حينذاك أفضل المدارس الأوروبية للغات.
وبسبب سمعتها العالمية، فإن مدرسة "بل" كانت تضم بين صفوفها طلاباً من جنسيات شتى، إذ كان هناك الصينيون واليابانيون، إضافة إلى عدد لا بأس به من الاسبان ومن جاؤوا من الأمريكتين "الشمالية والجنوبية"، ومن استراليا وأفريقيا. والحقيقة، أن هذه المدرسة كانت أشبه بالوعاء الذي تنصهر وتمتزج فيه الجنسيات والثقافات المختلفة، مما أسهم في تبلور فكر صاحب السمو الشيخ محمد، وغرفه من هذا المعين الغني، الذي أدى بدوره إلى تسهيل تحصيل سموه للمنهاج الأكاديمي من أدب وشعر ورياضة، مع اهتمام خاص لسموه برياضة التجديف.
صاحب السمو الشيخ محمد يقفز من صهوة جواد لآخر
وهذا البعد عن سحر الشرق، لم يزد صاحب السمو الشيخ محمد إلا توقاً وتشبثاً بالتقاليد العربية، وبالتالي أصبحت تشرئب عنقه لكل ما يمت بصلة لهذه التقاليد، فكان أن التقى سموه بشقيقه سمو الشيخ حمدان ليتابعا في الخامس من مايو العام 1967 أول سباق للخيول، سباق 2000 جينيز، الذي فاز به المهر "رويال بالاس"، ممتطياً صهوته الفارس جاري مور.
وبفضل أصدقاء والده العديدين في بريطانيا، تلقى صاحب السمو الشيخ محمد العديد من الدعوات للمشاركة في رحلات صيد ورماية، حيث تعلم الصيد. وما ان بلغ صاحب السمو الشيخ محمد العشرين من عمره، حتى كان على اطلاع وإلمام تامين بشتى فنون الأدب، والرياضات المختلفة، والأمور السياسية والعسكرية التي أدرك أهميتها بالنسبة له في المستقبل.
صورة صاحب السمو الشيخ محمد وهو صغير مع والده المغفور له الشيخ راشد والتي تظهرأعلى الصفحة لرونالد كودري وحقوق الملكية لجوستن كودري
ZE="6"][/SIZE]
وقد انتخب أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات في الخامس من يناير 2006 الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائباً لرئيس الدولة، ووافقوا على اقتراح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، بتكليف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد رئاسة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة.
بفضل السياسة الحكيمة لحكام دبي ونظرتهم الثاقبة والتخطيط السليم، اصبحت دبي في مصاف الدول المتقدمة والمتطورة وذات مكانة عالمية ، ومن أجل حرية المواطن وازدهاره ، اقام سموهم مع دخول الالفية الجديدة بعض المشاريع العالمية والعملاقة التي جعلت اسم دبي يعانق السماء ، واصبح الزوار يؤمونها من جميع بلدان العالم .
لقد ارسى سموهم أسس تنمية حديثة تعزز من وحدة دبي، ووحدة الاتحاد . فسمو الشيخ محمد يستشرف مستقبلاً مشرقاً لأبناء دبي والإمارات بخاصة، وأبناء الشرق الأوسط بعامة.
ومن أجل رفعة مكانة دبي عالمياً، دشن سمو الشيخ محمد بن راشد قبل دخول الألفية الجديدة واستعداداً لها مدينة دبي للانترنت، وذلك في 29 من شهر أكتوبر 2000، كما أعلن بعد شهر اطلاق مدينة دبي للاعلام. وفي بداية الألفية الجديدة، وبالتحديد في 16 يناير 2001، دشن سموه مؤتمر التجارة الالكترونية، وقال سموه في هذا المؤتمر:
الشيخ محمد بن راشد خلال اطلاق مدينة دبي للإنترنت
"بالنسبة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة عقدنا العزم على مواكبة المتغيرات، ووضعنا في وقت مبكر الخطط الضرورية لتوفير متطلبات التفاعل الإيجابي مع الاقتصاد الجديد. وكان علينا أن نتحرك في عدة اتجاهات وفي وقت واحد، وفي اتجاه نشر الوعي بثقافة المعلومات، وفي اتجاه تطوير التعليم وإعادة النظر في برامجه ووسائله، وفي إطلاق مشاريع البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي الجديد، وفي إطلاق مبادرة الحكومة الإلكترونية، حيث ستكون الشبكة أداة رئيسة في إدارة الخدمات وإنجاز الأعمال على صعيد دوائر الحكومة وقطاع الأعمال. ندرك أن ما أنجزناه يعتبر ريادياً بكل المقاييس .. وندرك أيضاً اننا ما زلنا في بداية الطريق .. وأن الطريق طويل لكننا واثقون من سلامة الاتجاه".
الشيخ محمد والشيخ عبد الله بن زايد في افتتاح مدينة دبي للإعلام
ولمواكبة العالم، في جميع المجالات، افتتح سموالشيخ محمد بن راشد مدينة دبي للاعلام في 20 من الشهر نفسه. وتعتبر هذه المدينة الإعلامية خطوة جديدة للنهوض بالشعب وتأمين مصالحه، حيث قال سموه في كلمة الافتتاح :
"لقد قررنا أن نواكب العالم، وهذه المدينة الإعلامية خطوة جديدة للنهوض بشعبنا وتأمين مصالحنا. ستجد الشركات المحلية والعربية والدولية فرصاً حقيقية لإطلاق المشاريع الجديدة، وتطوير المشاريع القائمة، والبنية التحتية هنا تم اعدادها بعناية، لكي تسهل المشاركة في الاقتصاد الرقمي الجديد".
ولأن الدولة برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد وحكمته وضعت قضية البيئة في مقدمة اهتماماتها،
فإن الاهتمام بالبيئة سار جنباً إلى جنب مع مسيرة التنمية، وتأكيداً على هذا الاهتمام الكبير بالبيئة، قام سمو الشيخ محمد
الشيخ محمد بن راشد أثناء جائزة البيئة
بن راشد في 22 أبريل 2001 باطلاق جائزة زايد الدولية للبيئة . وقال سموه :
"لقد وضعت بلادنا قضية البيئة في مقدمة اهتماماتها، وبفضل حكمة صاحب السمو الشيخ زايد سار الاهتمام بالبيئة جنباً إلى جنب مع مسيرة التنمية، وأدركنا في وقت مبكر عالمية قضية البيئة، ولم ندع شعوب العالم ودوله للاهتمام بهذه القضية فحسب، وإنما حرصنا على المشاركة الفعّالة في الجهد الدولي لحماية البيئة".
وبعد عمل دؤوب ومواصلة الليل بالنهار ومتابعة مستمرة على مدى 18 شهراً من سمو الشيخ محمد بن راشد، افتتح سموه في 29 اكتوبر 2001 الحكومة الالكترونية، حيث قال سموه في كلمة الافتتاح :
"أنا صراحة سعيد جداً لما وصلنا إليه، ونحن وإياكم وصلنا إلى غايتنا التي اعلنا عنها قبل ثمانية عشر شهراً بالضبط في هذا المكان، فالآن علينا الاستمرار، والخطوة الثانية هي بنفس العمل الذي قمتم فيه، والذي وصلتم به الليل بالنهار والنهار بالليل، وأنا كنت أتابع البعض، وإذا بقيتم على هذه المسيرة وبهذه القوة إن شاء الله ستأخذون اكبر المراكز والوظائف".
ومن أجل تحويل الاقتصاد في الدولة إلى اقتصاد المعلومات، وتطوير المجتمع في المجال المعرفي، افتتح سموه في نوفمبر من العام نفسه ملتقى دبي الاستراتيجي، حيث قال سموه : "حتى
نعرف نحن اين وصلنا، يجب تحويل اقتصادنا إلى اقتصاد المعلومات، وتطوير مجتمعنا إلى مجتمع المعرفة. هذا يحتاج منا بذل جهد كبير، الطريق صعب وطويل ولكننا في بدايته، الفريق الناجح هو
الذي يجعل من1 +1= 11".
الشيخ محمد بن راشد أثناء افتتاح مركز دبي المالي
واستعدادا للمستقبل، فإن الامارات عموماً ودبي خصوصاً تعمل منذ سنوات على تسريع الحركة عن طريق التجارة الدولية العريض لمواكبة المتغيرات الدولية والتحولات الكبيرة في حقول الاقتصاد والتجارة. ، ومن أجل هذا الهدف وتماشياً معه، افتتح سمو الشيخ محمد بن راشد في 16 فبراير 2002، مركز دبي المالي العالمي. وقال سموه في كلمة الافتتاح:
"الانتظار لم يكن خيارنا أبداً، لا في الماضي ولا في الحاضر. دائماً نسعى ونعمل على استشراف الاتجاهات المستقبلية، ونستعد لها. ونحن في الإمارات فتحنا منذ عشرات السنين طريقاً عريضاً على التجارة الدولية، ومنذ سنوات نعمل في دبي والإمارات على تسريع الحركة على هذا الطريق العريض لنواكب المتغيرات الدولية والتحولات الكبيرة في حقول الاقتصاد والتجارة. وتعلمون ان من ابرز آليات التحرك على هذا الطريق هي أولاً تكنولوجيا المعلومات، وثانياً التدفقات المالية عبر الأسواق الدولية."
ولزيادة النجاح والانتاجية في العمل والاداء المتميز، اعلن سمو الشيخ محمد بن راشد في 17 ابريل 2002 عن برنامج الاداء الحكومي المتميز، وقال سموه :
"نعم الاداء الاداري الحكومي في عالمنا العربي مشكلة كبرى علينا أن نواجهها بكل شجاعة، إذا لم يتطور هذا الاداء في كل اشكال العمل وفي مستويات العمل سنظل نراوح مكاننا، والمراوحة في المكان هي أقصر طريق للتأخر والتخلف وايضاً الهزائم...من دون اهداف واضحة لن تكون الادارة ناجحة، بل ستكون في الواقع اهدارا للامكانيات واضاعة للوقت."
ومن اجل تعميق الحوار والتفاعل الإيجابي بين الثقافات العربية، افتتح سمو الشيخ محمد بن راشد في 28 من الشهر نفسه المنتدى الاعلامي العربي، وقال سموه اثناء الافتتاح:
الشيخ محمد بن راشد والشيخ أحمد بن سعيد
"إن أكثر ما يسيء إلى الحوار والتفاعل الإيجابي بين المختلفين هو إخضاع ثوابت الثقافات وقيمها العليا لحسابات الأهداف السياسية العاجلة، أو لحسابات المصالح العابرة، والواقع أن مثل هذا التعامل هو الذي يولد المعايير المزدوجة، ويخلف المرارة والشعور بالظلم، ويفتح أبواباً للعداء والبغضاء، ويعصف بكل ما هو إنساني مشترك ونبيل."
وحرصاً على مصلحة شباب الوطن ورفاهيتهم، ومن أجل الازدهار الاقتصادي في البلاد الذي لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الاعتماد على النفس ، ولأهمية الدور الكبير الملقى على عاتق الشباب من أجل مسيرة النهوض الاقتصادي ، اطلق ولي عهد دبي في 12 مايو "مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب" . وقال سموه:
"إن الازدهار الاقتصادي في البلاد لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الاعتماد على النفس وتحفيز القطاع الخاص. وهناك دور كبير ملقى على عاتق الشباب من أجل مواصلة مسيرة النهوض الاقتصادي باعتبارهم الطاقة الفاعلة والمنتجة، والنبض الحي للمجتمع.
إن الشباب مدعوون اليوم للتفاعل بقوة في الاقتصاد الوطني من خلال المشاركة بفاعلية في المؤسسة، وعليهم تقديم مشاريع الى المؤسسة التي ستوفر لهم الدعم اللازم."
هذا بخلاف بعض المشاريع الأخرى الناجحة التي قام سموه برعايتها والعمل على تنفيذها مثل مدينة الذهب ومرسى دبي وجزيرة النخلة التي تعد من اضخم المشاريع العالمية .
ولي عهد دبي خلال الاعلان عن مؤسسة محمد بن راشد لرعاية الشباب
وفي المجال السياسي وحينما جرّت هجمات الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 على برجي التجارةالعالمية في نيويورك والبنتاغون، وأدخلت العالم في واحدة من أحلك الفترات في التاريخ الحديث، تحدث سمو الشيخ محمد في كلمة له في السابع والعشرين من شهر سبتمبر، حدد فيها موقفه، وعكس موقف الغالبية المعتدلة في العالم الإسلامي، فقال سموه: "فيما يتعلق بالحملة الحالية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، فإنه وبلا شك أن ما حدث كان جريمة شنيعة ارتكبت في حق الولايات المتحدة الأمريكية، نحن أدنّا هذه الجريمة ومرتكبيها، و نعرب عن تعاطفنا مع الإدارة الأمريكية لما نتج عن هذه الهجمات من ضحايا، ونعلن استعدادنا لمساندة الولايات المتحدة الأمريكية في جهودها لمحاربة الإرهاب ضمن إطار دولي.. والعالم كله مجمع على محاربة الإرهاب.
إن العالم العربي والإسلامي جزء من هذا العالم، ونحن كلنا رغبة في استئصال هذه الظاهرة البغيضة... لقد حذرت من ظاهرة قتل المدنيين الأبرياء خلال العمليات العسكرية، وأنا قلق على مصير مئات الآلاف أو حتى ملايين الأفغان، الذين سيفرون من ميدان القتال، ولقد ناشدت المجتمع الدولي بأن يكون حذراً في حدوث كارثة إنسانية.
إن الإسلام هو دين العدالة والتسامح والسلام العالمي. وفي الغرب و الولايات المتحدة الأمريكية هناك أناس يعرفون الإسلام جيداً ويدرسون الإسلام الذي يدعو إلى السلام والتعايش بين كل الأديان والطوائف."
وقد رافق سمو الشيخ محمد صاحب السمو الشيخ مكتوم إلى بيروت لحضور القمة العربية هناك،
حيث تحدث كلاهما عن خطة السلام التي بادرت المملكة العربية السعودية بطرحها، وتم شرحها فيما بعد عن طريق القنوات الدبلوماسية، حتى تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على إسرائيل لتتراجع عن خيارها العسكري وتنظر بعين العطف للآخرين.
وفي المجال الانساني، قدم سموالشيخ محمد بن راشد من خلال مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية، أدلة واضحة على قدرته على التعامل مع الكارثة الإنسانية، التي ألمت بأفغانستان.
وفي الثالث من أكتوبر بدأت المؤسسة بتمويل مشروع إقامة مخيم للاجئين الأفغان ، وقد أقيمت تلك المخيمات في أفغانستان على الحدود مع باكستان، إذ قدم سمو الشيخ محمد 5 ملايين دولار أمريكي من ماله الخاص وقد زاد في قيمة تبرعاته لاحقاً، كما تبرع أيضاً بمبلغ 5 ملايين دولار أمريكي لضحايا مركز التجارة العالمي. وفي السابع والعشرين من أكتوبر ذهب فريق جودولفين لـ "نيويورك" للمشاركة في كأس بريدرز كب، وقد عبر منظمو سباق بريدرز كب عن تعاطفهم مع عائلات رجال الاطفاء ورجال الشرطة وخدمات الطوارئ والضحايا الآخرين الذين فقدوا حياتهم نتيجة هذا الهجوم الإرهابي.
كما حدد المنظمون مبلغ مليون دولار يتبرعون به لضحايا هذا الهجوم الإرهابي، كما أعلن فريق جودولفين من جهته عن نيته في التبرع بجميع ما يجنيه في سباق بريدرزكب، الذي حققت فيه جودولفين نتائج جيدة، عادت عليها بمليوني ونصف مليون دولار تبرعت بها كلها لحملة الاغاثة.
هذا بدوره عزز الصداقة القائمة بين هاتين الثقافتين، وهذين المجتمعين، اللذين كانا قد وصلا نقطة التقاطع في علاقتهما، فقد ألمح الشيخ محمد إلى أن الضحايا، هم ضحايا سواء كانوا افغاناً أم أمريكيين، وكذلك فعلت كلماته العاطفية التي برهنت على أنه رجل يتقن فنون الحكم.
وشهد العام 2000 أزمة الهجوم الإسرائيلي المرعب على الأراضي الفلسطينية، وكما فعل قادة المنطقة، فقد شدد سموالشيخ محمد على العملية السلمية، وقدم ومازال يقدم العون والمساعدة للفلسطينيين.
حبي للخيل ليس بغريب عليَ، إنه جزء من دمي وكياني وتاريخي، وأصله الأول خرج من أرضي، والفروسية ليست مجرد ركوب خيل، بل هي أصالة ونبل، لقد نشأت وحب الخيل"(1)
محمد بن راشد آل مكتوم
لعبت الخيول دوراً مهمَاً في تاريخ العالم العربي، وكان العرب يستخدمونها في معظم تحركاتهم، وخاصة في الحروب، إذ أن لسرعتها ورشاقتها وقدرة تحملها، الدور الأكبر في تحديد مسار المعارك وحسم نتائجها، وعلى الرغم من أن الإبل تعتبر السمة الأهم لحياة البادية، إلا أن الخيل كانت دائماً رمزاً للكبرياء والنبل، ولقد تعلق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير دفاع دولة الإمارات، بحب الخيول وأولاها اهتماماً خاصاً منذ طفولته.
منذ نعومة إظفاره، تدرب سموه على ركوب الخيل ، حيث اهتم والده، المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بتدريبه واخوانه، وقد اظهر سمو الشيخ محمد مهارة متميزة وأبلى بلاءً حسناً مما بشر بمستقبل واعد. وعلى الرغم من اهتمام سموه برياضات كثيرة بالإضافة لرياضة ركوب الخيل وإبداعه فيها ، أبرزها رياضة التنس وكرة القدم ،إلا أن الفروسية لا تزال حبه الأول لأن هذه الرياضة جزء لا يتجزأ من تاريخه وكيانه.
في عام 1967 زار سمو الشيخ محمد مضامير سباقات الخيول، عندما حضر واخوه سمو الشيخ حمدان، وللمرة الأولى، سباق 2000 جينيز الذي أقيم في بريطانيا آنذاك، وفاز بلقبه المهر "رويال بالاس"، وبعد عشر سنوات من ذلك الحدث، حقق سمو الشيخ محمد أول فوز له كمالك للخيول في السباق الذي أقيم في بريتون، وفاز بلقبه مهر سموه "حتى" 1. وبدأ تركيز جهوده في سباقات الخيل ليحقق انتصاراً تلو انتصار. ولكنه لم يتوقف عند انتصاراته ، بل عزز من حبه، بتأسيس إسطبلات جودولفين عام 1994 والتي حالفها النجاح والتفوق منذ نشأتها بفضل خبرته ومعرفته بالخيول، وكان تأسيس سموه لإسطبلات جودولفين ضماناً لتحقيق أفكاره وأهدافه.
وأراد سموه أن يكون لدبي الدور الأكبر في رعاية الخيول، فقرر نقل خيوله إلى دبي لقضاء موسم الشتاء فيها، وقد كان هذا القرار في بادئ الأمر مستغرباً لدى الكثيرين من المختصين في مجال سباقات الخيول. لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن وراءه معرفة وخبرة عميقة مكنته فيما بعد من تدريب واختيار افضل الخيول.
تزامن نجاح جودولفين مع تطور دبي وبروزها على الساحة الدولية، فمنذ تأسيسها تطورت صناعة سباقات الخيول، ولقد شجع سمو الشيخ محمد ملاك الخيول في
مكتوم وحمدان ومحمد بن راشد يتابعون السباقات التجربية لجودولفين
العالم العربي على خوض سباقات عالمية، بعد أن اقتصرت مشاركتهم على السباقات المحلية، وأسس كأس دبي العالمي- السباق الأغلى في العالم- عام 1996، وأصبح هذا السباق يشهد مشاركات كبيرة لملاك الخيول من معظم دول العالم، وفاز في هذا السباق في عامه الأول المهر أمريكي الأصل "سيجار"، ويواصل سباق كأس دبي العالمي جذب اهتمام أصحاب الخيول في جميع أرجاء المعمورة.
وبفضل الإنجازات التي حققها سمو الشيخ محمد بن راشد في رياضة سباقات الخيول والاهتمام الكبير الذي أولاه سموه وما زال يوليه لهذه الرياضة، مُنح سموه جائزة اكليبس الخاصة في مجال الخيول عام 2001. ولا يخفى على أحد تألقه وشهرته في مجال سباقات الخيول التقليدية وسباقات القدرة.
إن سباقات القدرة تقابل سباقات الماراثون، من حيث التنظيم، ففيها عنصر الوقت مهم جداً، وعادة مسافتها 120 كم ، لذلك يتعين على الفارس أن يوطد علاقته بحصانه ويتفهمه ليتجاوب مع ظرفه وحالته بمنتهى السرعة والدقة، لأنه في حالة إخفاق الفارس في التعامل مع حصانه، لن يسمح له بمواصلة السباق، خاصة إذا تبين أن حالة الحصان الصحية سيئة، عند المعاينة الطبية، التي تخضع لها الخيول في أوقات محددة أثناء السباق.
دبي ميلينيوم يفوز بكأس دبي العالمي 2000
وقد أثبتت الخيول العربية جدارة واضحة في هذا النوع من السباقات لما تظهره من قدرة خارقة على التحمل، ويقود سمو الشيخ محمد بن راشد فريق الإمارات للقدرة، الذي يعتبر من ضمن افضل فرسان العالم، على الرغم من أن مشاركة الإمارات في السباقات العالمية للقدرة والتحمل تعتبر حديثة نسبياً. وفي عامي 1999 و2000، فاز نجلا سمو الشيخ محمد بن راشد، سموالشيخ راشد وسموالشيخ حمدان ببطولة العالم للقدرة على التوالي ، كما فاز ابنه الثالث ، الشيخ أحمد بلقب بطولة العالم للقدرة في العام 2002، ليصبح بذلك اصغر بطل سناً على مستوى العالم، وأول من يفوز بهذه البطولة من قارة آسيا. ومنذ عام 2003 انضم إلى ركب الفرسان سمو الشيخ ماجد والذي شارك في البطولة الأوروبية من ضمن فريق الإمارات.
و قد دأب أبناء سمو الشيخ محمد بن راشد على التذكير بأن الفضل في إنجازاهم يعود لوالدهم، كيف لا وهو الذي يرشدهم ويرسم
سمو الشيخ محمد بن راشد يفوز ببطولة الأهرام العربي للقدرة
لهم طريقهم، ويعلمهم كيف يحسنون التعامل مع الحصان ويحدد لهم متى يطلقون العنان للمهر في السباق، ومتى يكبحون جماحه، وقد قاد سموه فريق دولة الإمارات للفوز في البطولة الأوروبية التي أقيمت في إسبانيا عام 1999، وهو الذي استرد لقب البطولة للإمارات عام 2001 في السباق الذي جرى في إيطاليا، وقاد فريق الإمارات للفوز في البطولة الأوروبية التي أقيمت في ايرلندا عام2003. ومنذ أمد يعمل سمو الشيخ جاهداً لإدخال رياضة سباقات القدرة ضمن الرياضات الأولمبية.
سمو الشيخ محمد بن راشد يفوز ببطولة عمالقة الإمارات 2001
حقق سمو الشيخ محمد الانتصارات التالية في السباقات العالمية الرئيسية:
19/5/2000- بطولة الأهرام العربي للقدرة- مصر
18/1/2001- بطولة عمالقة الإمارات لسباقات القدرة- الإمارات
21/4/2001- بطولة الأهرام العربي للقدرة- مصر
30/7/2001- بطولة فيلاكاستن للقدرة- إسبانيا
1/6/2002- البطولة العالمية للقدرة- إيطاليا
17/8/2002- ماراثون القدرة الإسباني- إسبانيا
24/8/2002- البطولة النرويجية المفتوحة - النرويج
25/1/2003- بطولة دبي سيتي ماسترز للقدرة- الإمارات
12/2/2003- سباق سي .إي . أي - الإمارات
15/2/2003 - سباق التحدي على كأس صاحب السمو الشيخ رئيس الدولة-
الجولة الثانية- الإمارات
24/8/2003- بطولات نوذرن- إنجلترا
19/9/2003- البطولة الأوروبية المفتوحة للقدرة- ايرلندا
1- مجلة الرجل، 6/7/2000
المصادر
مجلة الرجل، يوليو 2000
ريسنج بوست، يوليو 2000
جلف نيوز، أغسطس 2000
يعدُ الشعر النبطي معلماً بارزاً من معالم حياة سكان شبه الجزيرة العربية، منذ القرن العاشر الميلادي على الأقل، وقد تناقلته الأجيال على مر السنين حتى وصل إلينا بشكله الحالي، لذلك فإن المؤرخين لا يعرفون إلا القليل عنه من خلال بعض القصائد النبطية التي تناولت بعض الأحداث التاريخية.
ولقد انتشر الشعر النبطي بعد انتشار الإسلام، وبدأت الأمم من غير العرب تتعلم العربية، وأدى ذلك إلى شيوع اللحن وبروز اللهجات العامية، وأطلق العرب على الشعر الذي لا يسير وفقاً لمعيارية اللغة الفصحى، شعراً نبطياً، وسموا اللهجة التي يكتب بها هذا النوع من الشعر "بنت الرمال". وقد عرف الشعر النبطي في الأقطار العربية وفي الجزيرة العربية بشكل خاص، حيث يحظى الآن بانتشار واسع في دول الخليج العربي.
ويبرز الشعر النبطي إبداع أبناء منطقة الخليج العربي وقدرتهم الطبيعية على الابتكار، ويجسد ارتباطهم بالأرض و تجذر أصولهم فيها، وتساهم عناصر عدة في ترسيخ هذا النوع من الشعر، الذي يعتبر كنزاً أدبياً ، نادراً ومتفرداً، لأبناء شبه الجزيرة العربية ، وأهم هذه العناصر تركيبته ومحتواه، وأهميته الأدبية، ووظيفته الاجتماعية والقيمة التاريخية التي يجسدها.
وقد بدأ سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نظم هذا النوع من الشعر منذ ان كان طالباً في المدرسة، ويذكر سموه أن والده المغفور له "بإذن الله" الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ، كانا مصدر إلهامه. كما تأثر سمو الشيخ محمد بن راشد، خاصة في فترة شبابه، بعدد من أبرز شعراء الشعر الفصيح من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري، حيث كان سموه، عندما يسافر مع والده، يحتفظ بدواوين هؤلاء الشعراء الكبار، ويداوم على القراءة طوال الرحلة، وقد ساهم هذا الاطلاع المبكر في تأصيل موهبته وإثراء المفردات عنده.
وتجدر الإشارة إلى إن سمو الشيخ محمد بن راشد عندما بدأ ينشر شعره في الصحف، تجنب نشرها مذيلة باسمه الحقيقي، بل استخدم اسماً مستعاراً ليضمن أن تقييم وتذوق القارئ لشعره حقيقي، وليحكم القارئ عليه بكل صدق و إخلاص، لا أن يصدر حكمه تبعاً لمعرفة مسبقة بأن الشاعر ينتمي للعائلة الحاكمة.
وقد بدأت الشاعرة الإماراتية " فتاة العرب" بإرسال ردودٍ على قصائده تعبر فيها عن إعجابها بشعره مما شجع سموه حينها على إعطاء المزيد منه.
وبعد أن تأكد من حصول قصائده على التقييم الموضوعي الحقيقي، وبدأ القارئ يقبل على قراءة أبياتها بشغف، اظهر سموه اسمه الحقيقي، وانتشر شعره في أرجاء العالم العربي، والآن يعد سموه من ابرز شعراء النبط.
وقد أتاح الشعر النبطي لسمو الشيخ محمد بن راشد الفرصة للتعبير ولإبراز الجوانب الإبداعية والوجدانية الطبيعية لشخصيته، إذ بعض هذه الجوانب لا يظهر صداها في معترك الحياة السياسية.
ويتناول شعر سمو الشيخ محمد موضوعات وأغراضاً متنوعة بدءا من المشاعر الرومانسية التي تنبعث من كلمات قصائده التي تخلد الحب المثالي الصادق. ولقد تجسد هذا المستوى من العواطف الرقيقة في أكثر من قصيدة، ويمكن أن نعتبر قصيدة "رمز الهوى" مثلاً ناصعاً لها. ويقترن السعي لدى سموه للوصول بعاطفة الحب إلى مستوى الكمال بعنصري الوفاء
والإخلاص كما يظهر جلياً في قصيدة "وعد".
وقد انعكس دوره السياسي في شعره المواكب للحدث والمتفاعل مع آلام الأمة، المستجيب لاستغاثتها‘ وقد تمثل ذلك في القصيدة التي كتبها سموه، بعد ساعات قليلة من استشهاد محمد الدرة، الطفل الفلسطيني الذي طالته يد الغدر الإسرائيلية بدم بارد عند مفترق نتساريم في مدينة غزة، في الثلاثين من سبتمبر العام 2000، وقد تم تصوير حالة الاغتيال هذه ونشرها في جميع الصحف العالمية.
والحكمة تعتبر من أهم أغراض شعره، ولابد للمتذوق لشعر سمو الشيخ محمد من أن تأخذه العبارات والأبيات التي تصور الحياة بكل تناقضاتها وتعبر عن الإنسان وعلاقته بالوجود، يقول سموه في قصيدة "طال الغياب":
ما أغلى النهار ان الليالي تضدّه لو كان ســـرمد ما أظنه بينطاق
يْزَيِّد غلا اللؤلؤ صعوبه مكدّه لو هو رخيص ما يعلق في الأعناق
وفي "قصيدة الأقصى لنا عايد" يؤكد على قيمة الحق المطلقة وعلى ضرورة الإيمان بشرعيته:
ايْفــوز من يصمــدا وعــن حَقَّه يْجاهــِد
والشعر لدى سموه موقف ينبع من التفاعل مع الحدث، وليس مجرد معاناة شخصية
بعيدة عن مشاعر الناس فهو يؤكد دائماً:" إن الموضوع الأقرب إلى قلبي هو الذي يكون
قريباً من قلب القارئ" ، فقد كتب سمو الشيخ محمد عدة قصائد في مقام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، نائب
رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مشيداً بقيادتهما الحكيمة لدولة الإمارات
العربية المتحدة.
وتبرز في شعر سمو الشيخ محمد بن راشد عناصر الزمان والمكان، فهو يستشعر خفقات الصحراء وتبدل مواسمها وطبائعها، وتظل الصحراء قريبة من قلبه. ولقد ذكر أن الصحراء علمته الصبر والتحمل، وتتبدى ملامح هذه الخصال وصورها الشعرية في الكثير من قصائده،
ويمكن اعتبار قصيدتي "عليهم صابر" و"ياما صبرت" مثالين على ذلك.
وكان البحر دائماً من أهم مصادر إلهامه وقد صوره في قصائده وحمله رموزاً عديدة.
لنتمعن في هذا البيت من قصيدة "شوف تأثيرك":
موجكم طامي وانا بلجه غريج في بحور موجها غزر العموق
وتنعكس تأثيرات الحياة البرية في شعر سموه بجلاء، وفي كثير من الأحيان يحتاج القارئ إلى دراية بأحوال هذه الحياة حتى يتسنى له إدراك جمال الصور والمعاني، فهو لا يكتفي باستخدام الرموز للتشبيه البليغ، بل يتعدى ذلك لوصف أحوالها ضمن صور مركبة تصور انفعالاتها وردات فعلها نحو ما يحدق بها من أخطار، انظر إلى وصفه وتشبيهه (بالغزال) في قصيدة "مسير العاشقين":
من أشكال الوضيحي ما خذنّا تخزّ وذيّروها القانصينا
ويستعير الحِر كرمز لجمال العيون غير العادي:
"وعينه مثل عين الحر لاكحل" من قصيدة عليهم صابرٍ
وكذلك كرمزٍ للقوة والشجاعة، كما في قصيدة بحر الرياض:
انت ياحر تعود الانقضاض صايده دايم اذا اومى دمى
وفي سعيه لنشر الاهتمام بالشعر النبطي، الذي هو جزء مهم من ثقافة وتراث هذه الأمة، شارك سموه في مطارحات شعرية مع عدد من الشعراء البارزين في منطقة الخليج العربي، من أهمهم الشاعر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، والشاعر الأمير السعودي خالد بن فيصل.
ومن المعروف أنه في مثل هذه المطارحات يرد الشعراء على بعضهم شعراً، كتابة أو شفاهه، ويكون معظم شعرهم من إبداع اللحظة. ويشير سمو الشيخ محمد بن راشد إلى ان هذا الفن الشعري يلاقي الكثير من الترحيب والتقدير من الجمهور،لأنه يثير روح المنافسة ويزكي الطاقة الإبداعية لدى الشعراء، ويضيف سموه بأن هذه المنافسات تشجع الشعراء على التواصل فيما بينهم، كما سعى سمو الشيخ محمد بن راشد إلى حث وتشجيع الآخرين على نظم الشعر النبطي وذلك من خلال اللغز الذي يطرحه سموه.
واللغز عبارة عن قصيدة تتناول أبياتها كثيراً من الأسئلة، ويختلف هذا النوع من الألغاز عن الألغاز في ثقافات دول العالم الأخرى والتي عادة ما تتألف ألغازها من سطر واحد، فالرد على اللغز الذي يطرحه سمو الشيخ محمد يجب أن يكون شعراً ويتبع نفس القافية والأسلوب، إضافة إلى تشابه الكلمات، وقد رصد سموه جائزة سخية لكل من يتمكن من الرد على هذا اللغز، وقد تجاوب الكثيرون مع الفكرة وتم تلقي الكثير من الردود على ألغاز سموه من جميع أرجاء الوطن العربي، ولقد بلغ عدد الردود على اللغز الخامس نحو 12000 رد لشعراء من جميع أقطار العالم العربي.
لقد نظم سمو الشيخ محمد بن راشد الكثير من روائع القصائد النبطية، ولا يزال يكتب كلما يسنح وقت سموه، وسنبقى ننظر إليه ليس كقائد ذي رؤية ثاقبة وفارس ذي إنجازات عظيمة فحسب، وإنما أيضا كعميد للثقافة والتراث.
المراجع
الصورة الشعرية – الدكتور وليد محمود خالص
مجلة الرجل –6/7/2000
صحيفة الخليج 10/12/2002
أصدر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي في الرابع من يناير من عام 1995قرارين تاريخيين، يعدان بالكثير في المستقبل، أولهما تعيين سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد لإمارة دبي، وثانيهما تعيين سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائباً لحاكم إمارة دبي.
وعلق سمو الشيخ محمد في هذه المناسبة، قائلاً: "لا أعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً ام لا، لكن ما أعرفه إنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل، تمتد قدماً 20 أو 30 عاماً. لقد اكتسبت هذه الرؤية من والدي، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يعتبر بحق في مقام الوالد لدبي. لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصياً، كان يعرف عنه أنه كان يستيقظ باكراً، قاصداً مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصياً، وانا أسير على خطاه، أبقى على اطلاع على كل شيء، أذهب للمواقع وأراقب، اقرأ الوجوه، أتخذ القرارات المناسبة، انطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين".
صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد
فقد أراد صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد، من وراء تعيين سمو الشيخ محمد بن راشد ولي عهد لدبي، ان يوظف "الحماس والعزيمة" اللذين يملكهما سمو الشيخ محمد لما فيه خدمة ومصلحة الإمارة، ليتابع كل من صاحب السمو الشيخ مكتوم وسمو الشيخ حمدان وسمو الشيخ محمد المسيرة التي ابتدأها والدهم؛ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، معتمدين في مسيرة التطوير والتقدم على النهج والأسس التي وضعها والدهم للنهوض بدبي، وتحويلها إلى مدينة حديثة بكل ما في الكلمة من معنى.
وجاء سمو الشيخ محمد ليعلن دبي "محط أنظار العالم"، و ليوجد لها مكانا على خارطة السياحة العالمية، الأمر الذي حظي بدعم كبير من سموه. وفي أواخر عام 1995، أعلن سموه عن ولادة مهرجان دبي للتسوق، الذي كان واحداً من أولى مبادراته الكثيرة التي رسخت دوره القيادي كولي عهد، آخذا على كاهله عملية التطوير والتحديث. وكان الهدف من وراء هذا المهرجان السنوي، توظيفه وسيلة للترويج للاقتصاد الإماراتي على المستوى العالمي. إذ بلغت قيمة المبيعات ما يقارب المليار دولار في دورته الأولى. وأراد سمو الشيخ محمد ان يغني المهرجان بأحداث ونشاطات مثيرة، تستحوذ على ألباب المتابعين، فجاء الحدث الأبرز، وهو الإعلان عن كأس دبي العالمية لسباقات الخيول، الرياضة المفضلة لدى سموه، ليتزامن حفل افتتاح هذه الكأس مع بداية مهرجان دبي للتسويق. ويذكر أن هذه الكأس تعدّ الأغلى في العالم، إذ بلغت قيمة جائزتها الكبرى مليونين وأربعمائة ألف دولار، في حين بلغ مجموع الجوائز أربعة ملايين دولار أمريكي.
برج العرب
تتسارع الخطى، وتتضافر الجهود لتطوير دبي وتحديثها، لتصبح محط أنظار السائحين في العالم. فطالت التوسعة والتحديث مطار دبي الدولي، ليفتتح في الأول من ابريل عام 1998، مبنى الشيخ راشد، الذي يعتبر المرحلة الأولى من خطة وضعتها دبي لتوسعة مطارها الدولي، راصدة مبلغ 540 مليون دولار أمريكي لإتمام هذه الخطة. وفي بقعة أخرى من دبي، برز فندق برج العرب، الذي انشئ على جزيرة اصطناعية تبعد مئة متر عن شاطيء البحر، شامخاً بعلو ينقص ستين متراً فقط عن مبنى Empire State Tower في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، لينافس بعلوه الشاهق أعلى الأبنية في العالم. ويعتبر هذا الفندق من أجرأ المشاريع التي بادر بتبنيها سمو الشيخ محمد.
وفي كلمة له في اوائل عام 2001، أعلن سمو الشيخ محمد عن مشروع النخلة، احدث وأضخم المشاريع السياحية قاطبة، وهو مشروع منتجع يتألف من جزيرتين اصطناعيتين تأخذان شكل نخلة، وتتفرع من كل نخلة 17 سعفة، بالإضافة إلى الجذع، وتحاط كلتا الجزيرتين بكاسر أمواج يأخذ شكلاً هلالياً.
وفي الوقت نفسه، كان سمو الشيخ يتابع باهتمام بالغ عملية تطوير شركة طيران الإمارات. ففي شهر مايو من عام 2001، أكد سمو الشيخ احمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس طيران الإمارات، أن الشركة تخطط، بناء على توجيهات سمو الشيخ محمد، لشراء طائرات من الطراز الكبير، ربما يصل عددها إلى ستين طائرة، بقيمة عشرة مليارات دولار أمريكي. وكانت طيران الإمارات قد وقعت مسبقاً عقداً مع شركة "ايرباس" لتزويدها بسبع طائرات من طراز A 380، وبهذا تكون "طيران الإمارات" أول خطوط طيران في العالم تقوم بتوقيع عقد لشراء هذه الطائرة الضخمة التي أثير حولها جدل كبير، والتي تستوعب 555 راكباً، سوف تبدأ هذه الطائرة أولى رحلاتها العام 2006.
سمو الشيخ محمد بن راشد خلال افتتاح الحكومة الإلكترونية
ربما كان مشروع تحويل دبي إلى حكومة إلكترونية من أعظم المشاريع وأكثرها جرأة، إذ في العام 1995، ظلت هذه الرؤية محصورة ضمن الطبقة الحاكمة من عائلة آل مكتوم، والمقربين جداً من سمو الشيخ محمد بن راشد.
يقول سمو الشيخ محمد:
"لقد قمنا في دبي، كمرحلة أولى، بوضع الخطط التي من شأنها ضمان مستلزمات تحقيق التفاعل الإيجابي مع الاقتصاد الجديد، و كانت أهدافنا لا تنحصر في مجال محدد، بل عملنا على التطوير في شتى المجالات، وفي وقت واحد، فهدفنا رفع مستوى الإدراك بأهمية ثقافة المعلومات الجديدة، وتحسين مستوى التعليم، وإعادة النظر في المناهج والوسائل التعليمية، وإطلاق مشاريع تشكل البنية التحتية للاقتصاد الرقمي الجديد، وإطلاق مشروع حكومة دبي الإلكترونية".
سمو الشيخ محمد بن راشد أثناء إطلاق مدينة دبي للإنترنت
وفي التاسع والعشرين من شهر اكتوبر من عام 1999م، عقد سمو الشيخ محمد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه ما يلي: " سوف نفتتح بعد سنة من اليوم، وفوق هذا الموقع، صرحاً جديداً على مستوى دبي والمستوى العالمي، ألا وهو مدينة دبي للإنترنت". وشرع سموه في شرح تصوره لهذه المدينة والغرض منها، مؤكداً ان هذه المدينة سوف توفر البنية التحتية اللازمة والمناخ والمكان الملائمين لتمكين مشاريع الاقتصاد الجديد من إدارة عملياتها من دبي، وذلك بتقديم خدمات فعالة ومنافسة.
لقد حدد سمو الشيخ محمد 365 يوماً موعداً لافتتاح مدينة الإنترنت، وكان هذا في حد ذاته تحدياً كبيراً وخطوة جريئة بكل المقاييس، هادفاً من ورائه لإبراز دولة الإمارات كواحدة من الدول التي تتسم بتسارع تنامي صناعتها. ومع حلول سبتمبر من عام 2000، حصل أكثر من مئة شركة تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات على ترخيص، لتتخذ من مدينة دبي للإنترنت مركزاً لإدارة عملياتها، وكان من ضمن هذه الشركات، شركات عملاقة، مثل مايكروسوفت، اوراكل، كومباك. وكان هناك حوالي 350 شركة أخرى تنتظر الحصول على الموافقة. وقدر مجموع الاستثمارات للشركات المرخص لها بحوالي 700 مليون دولار أمريكي.
كان سمو الشيخ محمد على يقين تام بأن التطوير يجب أن يتخطى قطاع الأعمال، ليشمل قطاعات أخرى، وذلك إذا أرادت دبي مواكبة التطور الحادث في العالم، فجاءت مبادرة سمو الشيخ محمد في الحادي عشر من مايو 1999، في كلمة ألقاها في جائزة دبي للجودة، و بحضور حشد غفير من كبار المسؤولين، قال فيها: "بعد ثمانية عشر شهراً من الليلة، سوف تتحول حكومة دبي بشكل كامل إلى حكومة إلكترونية، الأمر الذي ستنتج عنه زيادة الفاعلية، وتسريع وتسهيل الإجراءات الحكومية. فأنا أريد أن أرى تقديم طلبات الفيزا، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى المرافقة، تجرى من خلال شبكة الإنترنت، كما أريد أن أرى تواصل الدوائر الحكومية فيما بينها الكترونياً".
يذكر أن المبادرة أنجزت في الوقت المحدد لها مسبقاً، فكانت أول حكومة إلكترونية كاملة في العالم.
في السابع من أكتوبر من عام 1990، كان لسمو الشيخ محمد واخوته طريقتهم الخاصة في تقريظ أبيهم، إذ وقفوا وقفة اجلال أمام إنجازاته العظيمة، التي جعلت منه أحد القادة العظام الذين ظهروا في الشرق الأوسط على الرغم من مجابهته في حياته لانشغالات كثيرة.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد
وبعد توديع المغفور له الشيخ راشد الوداع الأخير، مسحت دبي من على مقلتيها دموع الحزن، لتشمر عن سواعد البناء والتطوير من جديد، إلا أنها وجدت نفسها معنية بالاجتياح العراقي للكويت، لتتعامل معه بما يمليه المنطق وكذلك المعاهدات، وترسل ولأول مرة ثلة من أبنائها للمشاركة في معركة تحرير الكويت. ولم يتوقف اسهام دبي على ساحة الوغى فقط، بل إنه، وبعد إعلان نهاية الحرب، أمر سمو الشيخ محمد بارسال 250 طناً من المساعدات إلى الكويت، وبالتوازي أرسل جيش الإمارات فريقاً طبياً لتقديم الخدمات الصحية هناك.
وحول هذه الأزمة، ألقى سمو الشيخ محمد في الرابع من مارس من عام 1991 خطاباً، تعرض فيه لدوافع اشتراك دولة الإمارات العربية المتحدة، في أول معركة في تاريخها، وقال: "لقد كانت قواتنا المسلحة في مقدمة قوات التحالف التي حررت الكويت، ونحن نشعر بالفخر والاعتزاز جراء الشجاعة التي أظهرها أبناؤنا والتزامهم بالقضية العادلة. نحن لم نكن ننتظر من رجالنا إظهار كل هذا القدر من الاحترافية، وقد تلقيت اطراءات وزراء دفاع من عدة دول تثمن الدور الذي لعبته قواتنا المسلحة الإماراتية في هذه المعركة.
إن الإمارات ستقف دوماً في صف السلام، وستبقى داعمة لكل أصدقائها، وستظل فاتحة ذراعيها لكل الناس، ليعيشوا في كنفها، بثقافاتهم وأديانهم المختلفة، في سلام. وسنكون أنموذجاً في التسامح، الذي نرغب في توصيله لكل العالم".
وأثناء العدوان الصربي على البوسنة، الذي استمر طوال فترة بداية التسعينيات، شدّد سمو الشيخ محمد بن راشد على إرسال قوات دولية إلى البوسنة، وعبّر بوضوح عن استعداد الإمارات للمشاركة في هذه العمليات. وعندما باشرت القوات الدولية مهامها في البوسنة والهرسك، بقيادة حلف الناتو، لم تشارك الإمارات بشكل مباشر في هذه القوات.
وبناءً على أوامر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، أمر سمو الشيخ محمد، وزير الدفاع بإقامة جسر جوي، لنقل الجرحى المسلمين البوسنيين إلى أبوظبي ودبي لتلقي العلاج. كما تم - بناءً على هذه الأوامر والتوجيهات- تقديم الدعم المادي لعائلاتهم، وتوفير أماكن سكن لهم. وكباقي القادة الإماراتيين، تبرع سمو الشيخ محمد من أمواله الخاصة لمساعدة أهل المنطقة أثناء فترة الصراع، ولإعادة بناء البوسنة عندما عمت حالة الاستقرار والسلام فيها. وبعد مشاهدته للمأساة التي حلت بالبوسنة نتيجة العدوان الصربي عليها، لعب سمو الشيخ محمد دوراً مهماً في التخفيف من المأساة الأفريقية التي حلت بالصومال خلال فترة أوائل التسعينيات، والمتمثلة في المجاعات الناتجة عن الصراعات الداخلية.
وبجهود دولية مشتركة تمثلت في حملة اطلق عليها II UNOSOM تم تقديم المساعدة وإعادة الأمل للشعب-
سمو الشيخ محمد بن راشد يزور أحد المصابين في كوسوفو
الصومالي. وكانت حكومة دولة الإمارات من بين الـدول ذات المبـادرة الأولى، للالتزام بهذه العمـلية وبحلول شهر مارس من عام 1993، تم التغلب على هذه المجاعة وتحسنت بالتالي الظروف الأمنية في الصومال. كما وتم بعد ذلك في عام 1999 تحت قيادة سمو الشيخ محمد، نشر قوات إماراتية في كوسوفو، في محاولة لوضع حد للمذابح التي يقترفها الصرب هناك. كما أمر سموه القوات الإماراتية بإنشاء 1000 وحدة سكنية، لإيواء المشردين من أهالي كوسوفو. كما تم إنشاء مستشفى ميداني في المدينة ، يشتمل على 60 سريراً ويمكنه التعامل مع 350 حالة مرضية يومياً من بلدة فوسيتم، التي تتمركز فيها القوات الإماراتية.
في السادس عشر من يناير 1968، أعلنت الحكومة البريطانية عزمها سحب قواتها من منطقة الخليج، منهية بذلك التزاماتها الأمنية في المنطقة. وبهذا الانسحاب تعين على القائمين على إمارة دبي ضمان مستقبل آمن ومستقر للإمارة، ليلعب سمو الشيخ محمد دوراً بارزاً في ذلك.
وفي الثامن عشر من فبراير من العام 1968، تم عقد لقاء بين صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي وأخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي، في مكان ما بالصحراء للاتفاق على إقامة اتحاد بين الإمارتين. وحول هذا الاجتماع، كان لسمو الشيخ محمد بن راشد، الذي عاد لتوه آنذاك من بريطانيا ليرافق والده إلى الاجتماع، تصريح، قال فيه :"إن الاجتماع بـدأ بكلمات بسيطة أذكر منها "إذاً، يا راشد، ما رأيك؟ هل سنقيم الاتحاد؟" سأل صاحب السمو الشيخ زايد، ومن دون تردد رد الشيخ راشد شارعاً يده" أعطني يدك، زايد، لنعقد اتفاقاً وسوف تكون الرئيس".
سمو الشيخ محمد بن راشد اثناء تخرجه من كلية مونز
وكان هذا الاتفاق نواة لإقامة اتحاد أوسع، ليستمر لسنوات عدة ويشمل سمو الشيخ محمد و والده و اخوته. وحتى يتمكن سموه من القيام بدوره المستقبلي في الحكومة، كان لابد له من الإلمام بأمور عسكرية، وعليه التحق بكلية مونز العسكرية في منطقة الديرشوت، التي تبعد قرابة أربعين ميلاً عن العاصمة لندن في الجزء الجنوبي من المملكة المتحدة. وفي الشهور الموالية كان لا بد ان يتعرض سموه لأقسى أنواع التدريب، الذي تفرضه العسكرية البريطانية على الضباط. وفي المراحل المتأخرة من الدورة، التي دامت ستة شهور، تمت ترقية سمو الشيخ محمد إلى وكيل لسرية كوهيما، ليتم بعد ذلك منحه سيف الشرف لتفوقه على زملائه الضباط من الدول الغربية ودول الكومنولث.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد وسمو الشيخ محمد بن راشد
وفي الأول من نوفمبر 1968، قام الشيخ راشد بتعيين الشيخ محمد رئيساً للشرطة والأمن العام، وهو أول منصب يتقلده سموه. وفي الثاني من ديسمبر 1971، عقد حكام إمارات كل من أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وولي عهد أم القيوين ممثلاً لوالده، اجتماعاً في قصر شاطئ الجميرا في دبي، حيث قاموا بتوقيع أول دستور مؤقت لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الأيام الموالية ليوم التوقيع، قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، رئيس الوزراء المعيّن بتعيين أخيه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً للدفاع، ليصبح سموه آنذاك أصغر وزراء الدفاع في العالم سناً. كما قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بمنح سمو الشيخ محمد رتبة لواء.
وفي أقل من عام، بدأ دور سموه يحتم عليه التعامل مع قضايا شاملة، مثل الحرب العربية الإسرائيلية، ومحاولة الانقلاب العسكري في احدى دول الجوار، واختطاف طائرة وهي جاثمة في مطار دبي الدولي. في هذه الأثناء كان سموه يحاول إقامة قوة دفاع وطنية موحدة، وكانت أول مهمة عسكرية لقوة الدفاع الوطنية في عام 1976، حيث أرسل سمو الشيخ محمد قوات إلى لبنان للمشاركة في قوة الردع العربية، من أجل المحافظة على الأمن والسلام في تلك الدولة الشقيقة.
وقد اعتمد الشيخ راشد كثيراً على أبنائه في عملية تحويل دبي إلى مركز تجارة، إذ أنيطت بسمو الشيخ محمد مسؤوليات جمة، منها توليه الإشراف على مشاريع كبيرة، أهمها مشروع حوض دبي الجاف؛ اكبر مشروع في الشرق الأوسط. وفي 25 أغسطس 1977، شكل الشيخ راشد لجنة لإدارة مطار دبي الدولي، وعيّن سمو الشيخ محمد مسؤولاً عنها، فأصبح بذلك تطوير دبي كمركز سياحي وملاحي اكبر الإنجازات الملموسة التي تكفل بتحقيقها سمو الشيخ محمد، إذ تبنى سياسة الفضاء المفتوح، وأخذ يعمل لوضع أسس الصناعة السياحية التي انبثقت في عام 1990.
خلال هذه الفترة، أوكلت إلى سمو الشيخ محمد مسؤولية "بترول دبي"، وتعد هذه المهمة إحدى أكثر المهام حيوية وأهمية في حكومة دبي، إذ إنها الرافد الأساسي لاقتصاد الإمارة. واستمد مجلس سمو الشيخ محمد بن راشد طاقته وحيويته من مجلس والده الشيخ راشد، الذي وصف بأنه دائرة الفرسان العربية المستديرة (شبيه بمجلس الملك آرثر الذي كان تلتف حوله نخبة من الفرسان). ويقول رجل الأعمال، محمد النابودة: " إن الجو الذي يسود مجلس سمو الشيخ محمد يشجع على الإبداع ويتيح لكل إبداء رأيه، فسموه لا يحول بين الناس وبين أفكارهم. إن مثل هذا المناخ الذي يتسم بالانفتاح يحفز على الابتكار، وفي مجلسه، يحث سمو الشيخ محمد مجالسيه على إبداء آرائهم، ويستفز أذهانهم عبر الاستمطار الذهني للخروج بأفكار خلاّقة. إن المجلس يخرج أفضل القرارات وأفضل العقول ويصقل قدرات الجميع".
الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد
ومع حلول شهر مايو من عام 1981، أصيب الشيخ راشد بمرض أقعده عن تحمل مسؤولياته، فثقل عاتق سمو الشيخ محمد كباقي اشقائه بعبء مسؤوليات جديدة في انتظار شفاء والدهم. وما يسجل كذلك في هذه الفترة العصيبة في حياة آل مكتوم، هو تعاضد أفرادها بعضهم مع بعض، بفضل نضجهم وتبلور شخصياتهم، وذلك هو العزاء الأكبر الذي خفف من آلام الوهن لدى الشيخ راشد، الذي لم يأل جهداً خلال العقود الماضية في بذل الغالي والنفيس من أجل تنشئة أنجاله رجالاً يعتد بهم، أقوياء عند الشدائد، مبدعين لحظة الأزمات.
يقول أحد المقربين: "إن صاحب السمو الشيخ مكتوم، وسمو الشيخ حمدان، وسمو الشيخ محمد كانوا وقتها على اتصال تشاوري دائم ومستمر، فلا يستجد أمر إلا ويهم الثلاثة للتعاطي معه. لقد كانوا يتبادلون المعلومات ويتشاورون حول كل صغيرة وكبيرة، لينبثق في النهاية رأي أو قرار واحد ليس ملك أحدهم بمفرده، بل هو قرار الثلاثة جميعاً".
هذا التشارك في إدراك الأمور، والتعامل معها، وبالتالي الوحدة في اتخاذ القرار، لم يخص رؤيتهم للأحداث المحلية فحسب، بل انسحب على تعاملهم مع العالم الخارجي في فترات سلمه وأزماته. وذلك ما كان أثناء اجتياح لبنان، والحرب العراقية الإيرانية واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من سبتمبر 1987، إذ قام سموه بدعم حكومة دبي في مسيرتها نحو دعم الإخوة في تلك المناطق.
ولم يكتف سموه بهذا، بل ذهب بنفسه إلى شمالي لبنان على متن طائرة لالقاء المساعدات وجلب جرحى العدوان إلى الإمارات لتلقي العلاج. ومن عملية اجتياح لبنان إلى الانتفاضة الفلسطينية المباركة، التي اندلعت في التاسع من ديسمبر من عام 1987، مروراً بالحرب العراقية الايرانية، تفرد سمو الشيخ محمد باندفاعه الذي لا يكل في تقديم المساعدات باسم حكومة دبي، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وقد علق المحلل المالي، كلينتون جونز، قائلاً: لم يركن أبناء الشيخ راشد خلال الأزمة العاتية في انتظار انفراجها، بل سعوا بكل ما جادت به قرائحهم لتجنب الغرق جراء تلاطم أمواج الأزمات التي ضربت المنطقة، إذ ركزوا جل اهتمامهم وانشغالهم في كيفية ضمان استقرار دبي، فاهتدوا إلى مضاعفة استثماراتهم في أوروبا وأمريكا الشمالية، كما قاموا كذلك، بهدف رفد اقتصاد دبي، بصرف المزيد من الأموال لإنشاء مزيد من مشاريع البنية التحتية، الشيء الذي أدى إلى تثبيت ثقة دبي في نفسها وفي مستقبلها، والذي أسهم بدوره في تحاشي إصابة اقتصاد دبي بالعلل التي كانت تحاصر المنطقة، فانطلقت المؤسسات فيها تستشرف المستقبل، لتصل دبي إلى ما هي عليه اليوم".
ومن انجازاته الرائعة مبادرته بإنشاء شركة طيران جديدة خاصة بدبي. وفي تفاصيل الحدث نقرأ أن سموه استدعى في غرة يناير من عام 1985 موريس فلانجان، المدير العام لسلطة سياحة دبي الوطنية، لقصره في زعبيل، وقال له: "أريد أن أنشئ شركة طيران، كم يتكلف ذلك؟ وكم تستغرق عملية الإنشاء؟". ولأن فلانجان كان يدرك مسبقاً أن سمو الشيخ محمد ليس من شاكلة الرجال الذين يمهلون في تلقى الإجابة، فإنه رد سريعاً" "عشر ملايين دولار أمريكي".".
الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد
ولتحويل الفكرة إلى واقع، باشر سموه في تشكيل فريق عمل يناط به أمر تطوير الفكرة، محيطاً ذلك بسرية تامة، لتلوح في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام نفسه أولى طائرات "طيران الإمارات" تحلق في سماء المنطقة لأول مرة، مجسدة طموح سموه لواقع ملموس. وفي العام نفسه أرسى سمو الشيخ محمد مركزاً صناعياً مهماً في ميناء جبل علي، ليكون ذلك دليلاً آخر على ما قاله موريس فلانجان آنفاً.
وحول ذلك، قال سلطان بن سليم، مدير منطقة جبل علي الحرة (JAFZA):"إن أهم النقاط التي ركز عليها سمو الشيخ محمد أثناء متابعته لانشاط منطقة جبل علي الحرة، العمل على جعل الإجراءات بسيطة وسلسة، كما أن سموه شدد على جعل بنية "JAFZA" التحتية تخضع للمواصفات العالمية، حتى تتمكن من تقديم أفضل الخدمات".
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، هو الابن الثالث بين أربعة أبناء للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهم: الشيخ مكتوم والشيخ حمدان والشيخ أحمد.
وقد ترعرع صاحب السمو الشيخ محمد الذي ولد عام 1949 في كنف عائلة آل مكتوم، بمنزلها الكائن حينذاك في الشندغة، حيث أمضى طفولة سعيدة ومرحة هناك. وقد شغف به والداه وجده الشيخ سعيد آل مكتوم، حاكم دبي وقتها، وأحاطوه بكل عطف ورعاية. كما وجد صاحب السمو الشيخ محمد في اخوته وأولاد عمه رفاق طفولة له، إضافة إلى أولاد عائلات التجار الكبار وغيرهم من القبائل. وقد كان منذ نعومة أظافره رياضياً مفعماً بالحيوية والنشاط، مولعاً بممارسة الألعاب المختلفة مع الأولاد الآخرين، مثل لعبة الهول، المعروفة بـ" المطاردة والحجلة".
بيت الشيخ سعيد
وقد أشاد أحد أصدقاء عائلة آل مكتوم، وهو حمد بن سوقات، بصاحب السمو الشيخ محمد شاباً مفعماً بالحيوية، بقوله: "إنه كان دائم الحركة، يمارس الألعاب ولديه روح الاستكشاف، وكان لديه أيضاً الفضول، إذ كان يحب أن يعرف ما يجري حوله". وعندما كان الشيخ سعيد يعقد مجلسه على المقاعد الخشبية عند مدخل منزلهم في الشندغة، كان يصحب حفيده صاحب السمو الشيخ محمد ويجلسه إلى جانبه، وعلى الرغم من أنها لم تكن جلسات رسمية، إلا أنها كانت بمثابة بيئة تعليمية جيدة.
ومنذ نشأته الأولى أخذ سموه يتدرب على الصيد، خصوصاً تلك الرياضة العربية المميزة؛ رياضة الصيد بالصقور التي وجد فيها سموه ما يعيده إلى جذوره العربية الأصيلة، منئيا بنفسه عن معطيات المدنية الحديثة وكل ما يمت لها بصلة، ليدنو من تلك الرياضات العربية الأصيلة التي أحبها.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد
وبالإضافة إلى هواية الصيد، قام والدهم الشيخ راشد منذ اللحظة التي أصبح أولاده فيها قادرين على الوقوف على أقدامهم بتعليمهم رياضة ركوب الخيل، وهذا ما جرى على الشيخ محمد، إذ منذ صغره وضع مباشرة على سرج الحصان، وأصبح هو وأصدقاؤه المقربون يتمرنون على ذلك كل يوم.
لم يدخر الشيخ راشد جهداً في إعداد أولاده للقيادة، مولياً مسألة تعليمهم اهتماماً خاصاً، إذ بمجرد أن بلغ صاحب السموالشيخ محمد الرابعة من عمره، حتى كان والده يهيئ له من يشرف على تلقينه مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي، ليضيف له، ببلوغه السادسة من عمره، مادتي الإنجليزية والرياضيات.
مدرسة الأحمدية
وبحلول العام 1955، كان صاحب السموالشيخ محمد قد بلغ السابعة، فألحقه أبوه بالمدرسة الأحمدية؛ وهي مدرسة ابتدائية صغيرة كانت موجودة بمنطقة ديرة، بهدف تلقيه التعليم الأساسي. فبدأ صاحب السمو الشيخ محمد يتفقه قواعد اللغتين العربية والإنجليزية وينهل من معين الجغرافيا والتاريخ والرياضيات، إذ ظهرت بوادر تفوقه على نظرائه جلية، وذلك بسبب تعليمه المبكر. وببلوغه العاشرة من عمره، انتقل صاحب السمو الشيخ محمد لمدرسة الشعب، ليلتحق سموه بعد سنتين من ذلك بمدرسة دبي الثانوية.
وفي التاسع من سبتمبر من عام 1958 توفي الشيخ سعيد؛ جد صاحب السمو الشيخ محمد، ليصبح الشيخ راشد حاكماً عاماً لإمارة دبي، الأمر الذي أوحى للشيخ راشد بضرورة ايلاء أبنائه اهتماماً خاصاً في تنشئتهم فمنذ بداية أكتوبر من العام نفسه، كثف الشيخ راشد من رعايته لهم ليشبوا صالحين مهيئين لتحمل المسؤوليات التي ستناط بهم في تسيير أمور حكومة دبي المستقبلية. ولأن الشيخ راشد تولى مهام تسيير أمور الحكم في دبي فعلياً، قبل استلامه رسمياً، فإنه كان في الخمسينيات مداوماً على الاجتماع في مجالسه بأصحاب الرأي والمشورة وأعيان البلد، من مفكرين وتجار وأصحاب بنوك ومقاولين. وكان يلاحظ في هذه المجالس ملازمة صاحب السمو الشيخ محمد لأبيه الدائمة، مما أسهم في تفتق ملكاته، وامتلاكه للتفكير المنطقي.
في الوقت نفسه، استطاع صاحب السمو الشيخ محمد اكمال دراسته الثانوية بتفوق ملحوظ، إذ اجتاز الامتحان المقرر في منهاج المدرسة خلال العام الدراسي 64/1965، ليزداد ايمان والده الشيخ راشد بأن مسيرة التطوير والتقدم في دبي مرهونة بشخص على شاكلة صاحب السمو الشيخ محمد، إذ كان يراه الأفضل والأكثر تمكناً في إدارة أمور الأمن في الإمارة الفتية.
وعليه، اختار الشيخ راشد لابنه الثالث، صاحب السمو الشيخ محمد المجال العسكري لاكمال دراسته، ولأن هذا الاختصاص كان يتطلب معرفة تامة وغير منقوصة باللغة الانجليزية، فإن صاحب السمو الشيخ محمد، يرافقه ابن عمه الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم، سافر في أغسطس العام 1966 إلى لندن، بغرض الالتحاق بمدرسة "بل" للغات في كامبريدج، التي كانت تعد حينذاك أفضل المدارس الأوروبية للغات.
وبسبب سمعتها العالمية، فإن مدرسة "بل" كانت تضم بين صفوفها طلاباً من جنسيات شتى، إذ كان هناك الصينيون واليابانيون، إضافة إلى عدد لا بأس به من الاسبان ومن جاؤوا من الأمريكتين "الشمالية والجنوبية"، ومن استراليا وأفريقيا. والحقيقة، أن هذه المدرسة كانت أشبه بالوعاء الذي تنصهر وتمتزج فيه الجنسيات والثقافات المختلفة، مما أسهم في تبلور فكر صاحب السمو الشيخ محمد، وغرفه من هذا المعين الغني، الذي أدى بدوره إلى تسهيل تحصيل سموه للمنهاج الأكاديمي من أدب وشعر ورياضة، مع اهتمام خاص لسموه برياضة التجديف.
صاحب السمو الشيخ محمد يقفز من صهوة جواد لآخر
وهذا البعد عن سحر الشرق، لم يزد صاحب السمو الشيخ محمد إلا توقاً وتشبثاً بالتقاليد العربية، وبالتالي أصبحت تشرئب عنقه لكل ما يمت بصلة لهذه التقاليد، فكان أن التقى سموه بشقيقه سمو الشيخ حمدان ليتابعا في الخامس من مايو العام 1967 أول سباق للخيول، سباق 2000 جينيز، الذي فاز به المهر "رويال بالاس"، ممتطياً صهوته الفارس جاري مور.
وبفضل أصدقاء والده العديدين في بريطانيا، تلقى صاحب السمو الشيخ محمد العديد من الدعوات للمشاركة في رحلات صيد ورماية، حيث تعلم الصيد. وما ان بلغ صاحب السمو الشيخ محمد العشرين من عمره، حتى كان على اطلاع وإلمام تامين بشتى فنون الأدب، والرياضات المختلفة، والأمور السياسية والعسكرية التي أدرك أهميتها بالنسبة له في المستقبل.
صورة صاحب السمو الشيخ محمد وهو صغير مع والده المغفور له الشيخ راشد والتي تظهرأعلى الصفحة لرونالد كودري وحقوق الملكية لجوستن كودري
ZE="6"][/SIZE]